B E R H G A M

T N E G R E M E

غير مصنف

الجزائر – جريمة قتل معلنة مسبقًا في الشلف: عندما يُدرك الخطر ولا تُحمى الضحية

أسآمة نجيب 2 فبراير 2026
مظاهرة لنساء جزائريات في الجزائر العاصمة في 8 أكتوبر 2020 للتنديد باغتصاب وقتل شيماء. (أرشيف)

تثير جريمة قتل المراهقة أسماء أميمة مومنة، البالغة من العمر خمسة عشر عاماً، على يد والدها في الشلف نهاية جانفي 2026، موجة عارمة من الغضب والحزن. لكن يجب أن يتجاوز نقاشنا حدود العاطفة؛ فهذه الجريمة ليست مجرد “حادث عرضي”، بل هي كاشف وحشي عن واقع مرير: في الجزائر، لا يعد العنف ضد النساء والفتيات مجرد فعل إجرامي فردي، بل هو نتيجة لـ “تراخٍ مؤسساتي” – بعبارة مخففة – يرى الخطر يقترب دون أن يمنعه.

الوقائع معروفة للجميع. إنها قصة موت معلن لم يكن ليوقفه إلا تدخل السلطات العمومية، لكن هذا التدخل لم يأتِ. كانت أسماء تتعرض لعنف متكرر، وكان والدها قد سُجن سابقاً لإصابتها بجروح بليغة. لقد دقت ناقوس الخطر لدى أقاربها، وفي مدرستها، ثم لدى مصالح الدرك، وقالتها صراحة: “سيقتلني”. ورغم ذلك، تمت إعادتها إلى المنزل. ليس من الصعب تخيل الرعب الذي عاشته المراهقة، وبعد ساعات قليلة، فارقت الحياة.

ما يصدم هنا ليس بربرية الفعل فحسب، بل سلسلة القرارات – أو اللاحركات – التي جعلت الجريمة ممكنة. كان التحذير موجوداً، والخطر مشخصاً، لكن لم تنجح أي آلية مؤسساتية في سحب قاصرة من سلطة أبوية أصبحت قاتلة. لقد فُضّل تسليم الطفلة لوالدها على حمايتها منه.

القانون موجود… لكنه يبقى نظريًا

لا يمكن للجزائر أن تدعي افتقارها للإطار القانوني. فالتعديلات الأخيرة في قانون العقوبات تعترف بالعنف ضد المرأة، وتشدد بعض العقوبات، وتؤكد على ضرورة حماية الضحايا. وهي نصوص تم تحييدها إلى حد بعيد بما يسمى “بند الصفح”. لكن على الورق، تقر الدولة بأن العنف المنزلي ليس شأنًا خاصًا.

ومع ذلك، يظل القانون نظرياً عندما لا يلامس الواقع المعاش. ففي مراكز الشرطة وفرق الدرك، لا تزال الثقافة السائدة هي ثقافة “الصلح”، و”التنبيه”، و”التعهد الموقع”، بدلاً من ثقافة “تقييم الخطر”. النص القانوني موجود، لكن سلسلة الحماية غائبة.

تغييب مخزٍ للواقع

تتطلب الوقاية ما هو أكثر من مجرد محضر أو وعظ. تتطلب أن يؤدي بلاغ الضحية تلقائيًا إلى وضعها في مكان آمن، وتعليق فعلي لسلطة المعتدي (سواء كان أباً أو زوجاً أو أخاً)، مع متابعة قضائية وحماية أمنية. في قضية الشلف، لم يتم التفكير بمنطق “إنقاذ حياة”، بل بمنطق “ترميم النظام الأسري”.

هنا يكمن لب المشكلة في الجزائر : في تقديس العائلة. فطالما ظلت السلطة الأبوية مقدمة على الحق في الحياة، ستبقى الحماية مجرد شعار. يضاف إلى ذلك سياسة التغييب: لا توجد أرقام رسمية موحدة حول جرائم قتل النساء، ولا مرصد وطني يعمل بفعالية. الإحصائيات النادرة تقوم بها ناشطات،مثل صفحة “Féminicides DZ”، اللواتي يعملن انطلاقاً من المقالات الصحفية، أي من واقع مجزأ. وما لا تحصيه الدولة، لا وجود له سياسياً.

النموذج الإسباني

تعد المقارنة مع إسبانيا ملهمة. هناك أيضاً، تشكل “الذكورية” (الماشيزمو) واقعاً اجتماعياً، لكن الدولة قررت مواجهة المشكلة وجعلت من قتل النساء قضية مركزية. كل جريمة قتل امرأة تتبعها وقفات رسمية أمام البلديات بحضور السلطات، لرفض تغييب الضحايا وتأكيد المسؤولية الجماعية.

والأهم من ذلك، أن بلاغ الخطر يطلق سلسلة حماية ملموسة: أوامر إبعاد سريعة، قضاة ونيابات عامة متخصصة، هواتف طوارئ للضحايا، وأحياناً أساور إلكترونية تمنع المعتدي من الاقتراب. المنطق هناك ليس عقابياً فحسب بل وقائي: تحديد الخطر، الإيواء، ومتابعة الوضع. يعد القانون هناك أداة حية، لا نصاً يرفع بعد الموت، بل نظاماً يتحرك قبل وقوع الجريمة. هذا النموذج يستحق التأمل في الجزائر، حيث لا تزال المرأة تُعامل غالباً كـ “تابعة” للزوج أو الأب، كـ “متاع” يجب رده بدلاً من “شخص” يجب حمايته. السلطة الذكورية لا تزال تزن أكثر من الحق في الحياة.

جريمة معلنة

تذكرنا قضية أسماء بحقيقة مزعجة: جريمة قتل النساء لا تحدث أبداً بشكل مفاجئ. تسبقها دائماً إشارات. وأسماء أرسلت تلك الإشارات، لقد أعلنت عن مقتلها قبل وقوعه. قبل المطالبة بعقوبات مثالية بعد كل مأساة، يجب طرح سؤال أكثر إحراجاً: لماذا لا تتحرك الدولة عندما تكون بوادر التهديد واضحة، ملموسة، وحقيقية؟ لماذا تُقدّم “جرة قلم” على تعهد بالالتزام، على صرخة مراهقة مرعوبة؟

قتل النساء ليس حتمية ثقافية، بل فشل مؤسساتي. وطالما ظلت الوقاية غائبة، فإن كل ضحية جديدة لن يتحمل مسؤوليتها القاتل وحده، بل سيتحملها نظام مؤسساتي يشاهد الخطر ولا يوقفه. ولا يتحججنّ أحد بالتقاليد أو الدين: فقتل نفس بغير حق، كأنما هو قتل للناس جميعًا.