وضعت السلطات العمومية مجددًا ملف الزراعة في صدارة الأولويات، بعدما جدد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون توجيهاته برفع المساحة الزراعية المستغلة إلى ثلاثة ملايين هكتار، كهدف استراتيجي مرتبط مباشرة بالأمن الغذائي وتقليص التبعية للاستيراد.
هذه التعليمة، التي جاءت خلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير، لا تُقرأ فقط كإعلان نوايا، بل كاختبار حقيقي لقدرة المنظومة الزراعية على الانتقال من منطق التسيير إلى منطق الأداء والإنتاجية.
من الناحية الاقتصادية، الرهان لا يكمن في توسيع المساحات فحسب، بل في مردودية الهكتار الواحد، وهي نقطة ظلّت لسنوات محل انتقاد من طرف المهنيين، بسبب ضعف المكننة، نقص التأطير التقني، وتفاوت نوعية البذور بين المناطق.
رئيس الغرفة الوطنية للفلاحة، محمد يزيد حمبلي، اعتبر أن هذه التوجيهات قد تشكّل فرصة لتصحيح اختلالات مزمنة، شرط أن تُترجم ميدانيًا عبر تنظيم أفضل للعقار الفلاحي، وتسريع استيراد العتاد، خاصة في المناطق الصحراوية التي باتت تُعد خزانًا استراتيجيًا للإنتاج.
ملف اللحوم: اعتراف بالعجز وسوق لم يستقر بعد
في لهجة غير معتادة، أقرّ رئيس الجمهورية ضمنيًا بعدم نجاح السياسات السابقة في ضبط سوق اللحوم، سواء الحمراء أو البيضاء، وهو اعتراف يعكس حجم الفجوة بين الإنتاج المحلي والطلب المتزايد.
هذا الملف، الذي يثقل كاهل المستهلك ويستنزف العملة الصعبة عبر الاستيراد، يظل من أكثر الشعب هشاشة، بسبب كلفة الأعلاف، ضعف سلاسل التوزيع، وغياب رؤية واضحة للإنتاج المكثف.
سليمان دريبين، الأمين الوطني للاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين، يرى أن معالجة هذا الخلل لا يمكن أن تكون ظرفية، بل تتطلب دعمًا تقنيًا حقيقيًا للمربين، وضمان توفر الأعلاف، مع إشراك المنتجين في صياغة الحلول بدل الاكتفاء بقرارات فوقية.
اقتصاديًا، يبقى السؤال المطروح: هل يكفي ضخ التمويل والاستيراد المؤقت للحوم، أم أن الإصلاح يجب أن يمر عبر إعادة هيكلة شعبة تربية المواشي برمتها؟
المكننة والإنتاجية: الذرة ودوار الشمس في الواجهة
ضمن نفس التوجيهات، شدد رئيس الجمهورية على الطابع الاستعجالي لاستيراد العتاد الفلاحي، خاصة المخصص لحصاد الحبوب، الذرة ودوار الشمس، وهي محاصيل تراهن عليها الدولة لتقليص فاتورة الاستيراد.
غير أن رفع الإنتاج لا يرتبط فقط بالعتاد، بل أيضًا باعتماد أساليب علمية حديثة، وتحسين البذور، واحترام خصوصيات التربة والمناخ في كل منطقة.
التركيز على الذرة ودوار الشمس يحمل بعدًا اقتصاديًا واضحًا، لارتباطهما بصناعة الأعلاف والزيوت، غير أن تحقيق مردودية تنافسية للهكتار الواحد يبقى مرهونًا بمدى جاهزية الإرشاد الزراعي، وفعالية المتابعة التقنية في الميدان.
في المحصلة، تبدو الأهداف المعلنة طموحة، لكنها تضع القطاع الزراعي أمام امتحان التنفيذ: بين تسريع الإصلاحات، ضبط الأسواق، ورفع الإنتاج الحقيقي، بعيدًا عن الأرقام المعلنة. والنتيجة، كما يراها الفاعلون، لن تُقاس بالهكتارات المضافة فقط، بل بما يصل فعليًا إلى موائد الجزائريين.
