B E R H G A M

T N E G R E M E

أحدث الأخبار

الصدمة النفطية في الشرق الأوسط: الجزائر تربح من سعر البرميل… لكنها تخسر في الفاتورة

ليندة ناصر 10 مارس 2026
ما لا يراه المستهلك الجزائري مباشرة هو أن الخزينة العمومية تتحمل جزءاً كبيراً من عبء الصدمة الإقتصادية.

يمسّ التحذير الذي أطلقه يوم الاثنين صندوق النقد الدولي الجزائر في نقطة محددة تميل القراءات المتفائلة إلى تجاهلها. فبلوغ سعر خام برنت مستوى 110 دولارات للبرميل يعدّ في المقام الأول خبراً جيداً للمالية العمومية الجزائرية، ولا يمكن إنكار ذلك. إذ إن قانون المالية لسنة 2026 بُني على فرضية سعر قدره 60 دولاراً للبرميل، ما يعني أن الفارق يمثّل هامشاً مالياً معتبراً.

احتياطات الصرف، التي استُنزفت بشدة خلال الفترة ما بين 2014 و2020، يمكن أن تستفيد من تدفق إضافي للعملات الصعبة. كما أن الميزان التجاري، الذي يبقى تحت ضغط هيكلي كلما تراجعت عائدات المحروقات، قد يستعيد بعض التوازن. ويقدّر أحد الخبراء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن «استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة على المدى المتوسط يحسّن الميزان التجاري ويعزّز احتياطات الصرف، ما قد يعوّض جزءاً من هذه الضغوط الأولية». وعلى المدى القصير، تمنح صدمة الخليج للجزائر متنفساً حقيقياً.

غير أن الصدمة نفسها، عبر موجة التضخم العالمية التي تطلقها والتشديد النقدي الذي قد تفرضه في أوروبا، تؤدي في الوقت ذاته إلى ارتفاع تكلفة كل ما تدفعه الجزائر بالدولار أو اليورو في الخارج: الحبوب، الزيوت النباتية، الفولاذ، الخشب، المواد البلاستيكية، التجهيزات الصناعية، قطع الغيار، ومدخلات الزراعة. هذا هو الوجه الأقل وضوحاً الذي حرص صندوق النقد الدولي على نمذجته، وهو ما لا يستطيع صناع القرار في الجزائر تجاهله.

الاعتماد على الواردات… كعب أخيل العائدات النفطية

يبقى البعد الغذائي الأكثر وضوحاً. فبالنسبة لبلد تجاوزت فاتورته الغذائية 10.4 مليارات دولار سنة 2022، وتمثل قرابة 40٪ من الاستهلاك الوطني، فإن كل نقطة تضخم عالمي تعني مئات ملايين الدولارات الإضافية من الإنفاق بالعملة الصعبة. وتشكل الحبوب والزيوت النباتية والسكر والبقوليات العمود الفقري لهذا الاعتماد، في بلد تنفق فيه الأسر نحو 34٪ من ميزانيتها على الغذاء، أي ما يقارب متوسط إنفاق سنوي يبلغ 500 ألف دينار لكل أسرة.

وتبرز الأسمدة بوضوح خاص هشاشة الاقتصاد أمام الاضطرابات اللوجستية العالمية. ففي صدمة عام 2022 المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، أدى توقف تدفقات اليوريا ونترات الأمونيوم من روسيا وأوكرانيا إلى قفزة في الأسعار العالمية تجاوزت 150٪ مقارنة بمستويات 2020، ما رفع مباشرة تكاليف الإنتاج الزراعي في الجزائر. وقد امتدت آثار ذلك إلى أسعار المنتجات الطازجة، مساهمة في وصول التضخم العام إلى نحو 9٪ بين 2022 و2023 قبل أن يبدأ بالتراجع، حيث سجل الديوان الوطني للإحصاء 2.7٪ في شهر أوت 2025. إن إغلاق مضيق هرمز واضطراب طرق الشحن في الخليج قد يعيدان إنتاج الآلية نفسها ولكن على نطاق أوسع، في سوق للمواد الزراعية تعاني أصلاً من توترات.

تمثل الأدوية بنداً حساساً آخر، رغم أن الجزائر بدأت منذ عام 2022 جهوداً فعلية لإحلال الإنتاج المحلي محل الواردات، ما أدى تدريجياً إلى تقليص اعتمادها على الاستيراد الصيدلاني. غير أن هذا الجهد لا يغطي بعد جميع الأصناف، خاصة الجزيئات المعقدة والأدوية المضادة للسرطان وبعض الأجهزة الطبية. إن الارتفاع المستمر في أسعار المنتجات الصناعية المستوردة من أوروبا قد يضغط على هذا القطاع الذي تحاول السلطات أساساً تقليل حساسيته تجاه الخارج. تظل التبعية للسلع الوسيطة ومدخلات الإنتاج الصناعي أحد أهم قنوات انتقال الصدمات الخارجية إلى الاقتصاد الجزائري.

عندما يمتص الدينار ما لا يعوّضه النفط

المشكلة أن العائدات الإضافية لشركة سوناطراك لن تصل فوراً. العقود الغازية مرتبطة بسعر برنت، مع فترات مراجعة ربع سنوية أو نصف سنوية. وخلال هذه الفترة، إذا تسارعت المدفوعات بالعملة الصعبة لتغطية واردات أصبحت أكثر كلفة، فإن بنك الجزائر يواجه ضغوطاً على سعر الصرف. وعندما يتراجع سعر الدينار، ترتفع فاتورة الواردات أكثر، ما يضخم الصدمة بدلاً من امتصاصها.

ما لا يراه المستهلك الجزائري مباشرة هو أن الخزينة العمومية تتحمل جزءاً كبيراً من هذا العبء. فالدولة تدعم بقوة الأسعار الداخلية لحماية الأسر من تقلبات السوق العالمية. لكن لهذه الحماية كلفة مالية تزداد تحديداً في الوقت الذي تتأخر فيه العائدات النفطية عن الظهور في الحسابات العمومية. وفي اللحظة التي تعتقد فيها الحكومة أنها تستفيد من عائدات إضافية، تؤدي نفقات الدعم إلى توسيع العجز من الأسفل.

هذا تحديداً ما نمذجه صندوق النقد الدولي في دراساته حول انتقال الصدمات الخارجية إلى الاقتصاد الجزائري: سلسلة من التفاعلات تبدأ من الميزان الجاري، مروراً بسعر الصرف، وصولاً إلى المالية العمومية. وكان البنك الدولي قد أشار منذ نوفمبر 2024 إلى أن الاقتصاد الجزائري ما يزال عرضة بشكل هيكلي لهذه الصدمات بسبب محدودية تنويع القاعدة الإنتاجية. أما التحسن الذي لوحظ بين 2024 و2025 فكان مرتبطاً بدرجة كبيرة بعوامل خارجية مواتية، وليس بتراجع حقيقي في الاعتماد البنيوي على الواردات. والصدمة الحالية لا تفعل سوى جعل هذا التشخيص أكثر إلحاحاً.