B E R H G A M

T N E G R E M E

الأسبوع الاقتصادي

ثلاث حالات سوء فهم كبرى تؤخّر بروز الجزائر

الأسبوع الاقتصادي لإحسان القاضي 11 فبراير 2026

عاد الرئيس تبون، في لقائه الإعلامي الأخير، إلى التأكيد على رغبته في جعل الجزائر دولة ناشئة في السنوات القليلة المقبلة. هذا الهدف، بطبيعة الحال، في متناول إمكانيات البلاد: من حيث الديموغرافيا، ومستوى التعليم، ومؤشرات التنمية البشرية، والموارد الطبيعية، وغيرها. غير أنّ تحقيق ذلك بحلول نهاية سنة 2027 يبدو أقل واقعية. لماذا الإصرار على ذكر رقم 400 مليار دولار كناتج محلي إجمالي في أفق قريب جداً؟ والأهم من ذلك أنّ ديناميكية النمو القوية التي يُفترض أن تقود إلى هذا الهدف لم تُنشأ بعد، وهو ما يجعل الأمر أكثر إثارة للقلق.

هناك ثلاثة محرّكات لهذا النمو القوي يُكثر من ذكرها في خطاب التنمية الجزائري خلال سنوات حكم تبون، لكنها تبدو بشكل متزايد مصدراً لثلاثة سوء فهم كبرى. ويتعلّق الأمر بالتنويع الاقتصادي الذي ينبغي أن يُترجم بزيادة الصادرات خارج المحروقات، وباستبدال الواردات لحماية ميزان المدفوعات وتعزيز السيادة الاقتصادية، وأخيراً بالرقمنة التي يُفترض أن ترفع إنتاجية الشركات وتُكرّس الشفافية في الحوكمة. غير أنّ المحتوى العملي المقترح لهذه المفاهيم الثلاثة يطرح إشكالاً حقيقياً.

تنويع منجمي أم صناعي؟

بالنسبة لبلد يقارب عدد سكانه خمسين مليون نسمة ويقوم اقتصاده على الريع الطاقوي، فإن التنويع الاقتصادي في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين لا يزال يعني أساساً ازدهار الصناعة التحويلية. تجاهل هذا البعد الجوهري يُعد مقامرة على خارطة طريق التنمية. صحيح أنّ الخدمات واللوجستيات والزراعة والسياحة يمكن أن تكون أيضاً قطاعات تنويع، وقد تعوّض غياب نموذج صناعي كامل كما في الإمارات أو غينيا الاستوائية، لكنها لا تكفي وحدها في الجزائر، حيث تظلّ مسألة التشغيل أحد أبرز التحديات

ما نراه اليوم من «تنويع ناشئ» في الجزائر هو في الواقع تنويع في الموارد المنجمية القابلة للتحويل والتصدير، وهو ما يشكّل سوء الفهم الأول. فحديد غار جبيلات، وفوسفات بلاد الحدبة، وزنك تالة حمزة ستُضاف إلى الحسابات الوطنية وقد تُسهم في تحسينها، لكنها ستظل، للأسف، غير كافية، حتى مع الصناعات التحويلية القائمة عليها، لتحقيق تحوّل فعلي من نموذج ريعي إلى نموذج متنوّع.

ينبغي أن يصبح الاندماج في الاقتصاد العالمي عبر المواد الخام أو مشتقاتها أكثر تعقيداً من خلال ارتباط أوثق بالتكنولوجيا والقيمة المضافة، وهو ما توفّره السلع المصنَّعة، وهو الطريق الذي لم تسلكه الجزائر بعد بوضوح وحزم.
ويظهر ذلك جلياً في تطوّر الصادرات خارج المحروقات، التي شهدت ركوداً منذ القفزة المسجَّلة سنة 2022، إذ اعتمدت أساساً على منتجات مثل حديد البناء والكلنكر، وهي منتجات تبقى معرّضة لتقلبات الأسعار العالمية ولتشريعات مكافحة الإغراق.

استبدال الواردات أم استبدال المستوردين؟

يقوم البرنامج التوقعي للاستيراد (PPI) بتغيير مفهوم «استبدال الواردات»، وهو نموذج مجرَّب في استراتيجيات التنمية منذ منتصف القرن الماضي، لكنه يهدّد بالتحوّل إلى «استبدال للمستوردين». وهذا هو سوء الفهم الثاني. فالدولة لم تستعد احتكارها القديم للتجارة الخارجية بالكامل، لكنها تتّجه نحو ذلك صراحة أو عبر اختيارات هذا البرنامج.

الفاعل الاقتصادي الحاسم اليوم ليس المؤسسة التي تتحمّل المخاطر ولا البنك الذي يرافقها، بل الجهة التي تقرّر جدوى الاستيراد وحجمه وقيمته من خلال المصادقة أو الرفض لبرامج الاستيراد المقترحة. ويتعلّق الأمر هنا بالواردات التي تدخل فعلاً في دورة القيمة، أي تلك التي تساهم في بروز بلد ما، وفي إطلاق الاستثمارات، وجذب الشركاء الأجانب.

لن تنطلق الصادرات خارج المحروقات إذا كانت الآلات والمدخلات التي تسمح بإنتاجها تُدار إدارياً. فتقليص فاتورة الاستيراد بهذه الطريقة يعيق تحديداً نمو الصادرات المصنَّعة. وعلى سبيل المثال، فإن الرقم القياسي لصادرات شركة «توسيالي» من حديد البناء سنة 2022 كان يقابله رقم قياسي في استيراد كويرات الحديد. وهكذا هو حال أغلب القطاعات؛ فالمهم في النهاية أن يكون الميزان بالعملة الصعبة إيجابياً

تنظيم استيراد المنتجات النهائية يمكن الدفاع عنه في السياق العالمي الحمائي الراهن، لكن بعيداً عن ذلك ينبغي عدم الخطأ في تحديد فاعلي النمو الحقيقي، وهم المؤسسات. ففي الجزائر لا يتجاوز استثمار المؤسسات 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يصل إلى 25 أو 30 في المئة في الدول الناشئة. وهذا الضعف في الاستثمار الإنتاجي للشركات الخاصة الجزائرية يشكّل عائقاً مهماً في استراتيجية البروز.

ويُفترض أن تشجّع النزعة الحمائية السائدة هذه الشركات على الاستثمار أكثر للاستحواذ على حصص سوقية تُقصى منها المنتجات الأجنبية، لكنها لا تفعل ذلك بما يكفي، لأن التدخل الإداري نفسه الذي يستبعد المنافسين الأجانب يعرّض للخطر الاستثمارات المحلية المخصَّصة لتعويضهم. وهكذا يتفاقم تأخّر تنويع الصناعات، ويغذّي سوء الفهم الثاني سوء الفهم الأول.

الرقمنة أكثر من مجرد أداة

في خطة البروز، لا تُعد الرقمنة مجرد أداة لتسريع الإنتاجية أو لتحديث الحوكمة، بل هي قطاع أنشطة له قيمة داخلية كبيرة. وتسعى الجزائر إلى ترسيخ مكانتها كمستهلك متقدّم للحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي، وهو ما يشكّل بدوره سوء الفهم الثالث. فالجزائر تمتلك إمكانية أن تكون فاعلاً في سلسلة القيمة الرقمية عبر عدة حلقات، ليس في تصنيع وحدات المعالجة مثل نفيديا بالطبع، بل في رقائق الذاكرة، والمواد شبه الموصلة، ومعدات الاختبار، ومراكز البيانات، ومعدات الشبكات.

الميزة الطاقوية التي تجعل حديد توسيالي تنافسياً في التصدير يمكن أن تنطبق هنا ضمن نموذج منخفض الكربون. فكل مليار دولار يُستثمر في مركز بيانات يتطلّب نحو 125 مليون دولار من نفقات الطاقة. وسيستغرق الأمر سنوات لتقليل استهلاك الصناعات الجزائرية للطاقة، غير أنّ قطاع الصناعة الرقمية يمكن أن ينمو بسرعة إذا جرى دمجه مع الطاقة الشمسية التي قد تصبح من الأرخص عالمياً. وسيكون التحوّل الرقمي حينها بمثابة نسخة صناعية عالية التقنية من التحوّل الطاقوي.

ستصبح الجزائر يوماً ما دولة ناشئة، غير أنّ ذلك يقتضي إعادة الصناعة التحويلية إلى قلب التنويع الاقتصادي، وعدم الخطأ في تحديد الفاعلين الخالقين للثروة، والمزاوجة بين الرقمي والشمسي لبناء القطاع الأكثر تمثيلاً لاقتصاد في طور البروز