إذا لم ينجح مشروع غار جبيلات في تجاوز الشكوك التي تحيط به لدى عدد من الخبراء، وحتى لدى جزء من الرأي العام، فذلك يعود غالبًا إلى ضعف تسويقه في الخطاب الرسمي. ففي عالم اليوم، في عصر إزالة الكربون واقتصاد المعرفة، لم يعد أحد يعرض مزايا استثمار من هذا النوع من زاوية بدائية تختزله في استغلال منجم وبناء خط سكة حديد يربطه بالسوق.
لقد أدرك بومدين ذلك مبكرًا، حين كان يتحدث أكثر عن الحجار من الحديث عن الونزة. سردية غار جبيلات الحالية لا تفتح آفاقًا للحلم، رغم أنها تمتلك كل المقومات لذلك إذا عُرضت من زاوية أخرى: زاوية المنتج النهائي، الصناعة المعدنية الأساسية، الحديد والصلب، إنتاج المنتجات الطويلة والمسطحة للصناعات الكهرومنزلية والبحرية والتغليف المعدني، وحديد التسليح للهياكل المعدنية في قطاع البناء، وصفائح السيارات، وصناعة هياكل وقضبان السكك الحديدية.
كان من الأجدر عرض هذه المشاريع على الجزائريين وربطها بسردية المنجم وهدفه الاقتصادي الواضح: المصانع القائمة بالفعل في بطيوة (توسيالي)، وبلارة، وعنابة، وخاصة تلك التي يجب إطلاقها لتحويل 40 إلى 50 مليون طن من الخام التي ستتجه سنويًا نحو الشمال.
رهان صناعي لا مالي
المقاربة المنطلقة من «المنبع المنجمي» بقيت حبيسة النقاش القديم حول ربحية غار جبيلات. لكن الرهان الحقيقي صناعي وليس ماليًا، عند أخذ جميع الآثار الخارجية في الاعتبار. قبول المشروع بشكل كامل من قبل الرأي العام يتطلب تحديث طريقة عرضه وتغيير زاوية النظر إليه.
يعد غار جبيلات ورقة رابحة بفضل خام الحديد ذي نسبة الفوسفور العالية ضمن السلسلة الجديدة لبطاريات السيارات الكهربائية المعروفة بتقنية LFP. فالتطور الكيميائي يتيح، عبر دمج الليثيوم والحديد والفوسفور، إنتاج بطاريات أكثر أمانًا وأطول عمرًا. ومن الطبيعي أن يُزال الفوسفور من الخام لبقية الاستخدامات المعدنية، لكن في هذه الصناعة الصاعدة عالميًا، تمثل نسبة 0.8٪ من الفوسفور ميزة تنافسية حقيقية.
على الجزائر أن تتوقف عن الاختباء وأن تعلن طموحها لتكون فاعلًا رئيسيًا في ثورة التنقل الكهربائي. عليها أن تعرض مشاريع بطاريات الليثيوم – المتوفر في الهقار – تُصنع في الجزائر، وتُصدّر أو تُوجَّه لتموين سلاسل تركيب محلية. بطاريات الجيل الجديد، سيارات كهربائية، أجهزة كهرومنزلية، منشآت كبرى، سفن، قطارات؛ كل ذلك يجعل السردية التوضيحية لغار جبيلات أكثر وضوحًا وإقناعًا، ويهدئ الجدل حول جدوى تكلفته.
إذا طُوّر خطاب يزعم أن استغلال غار جبيلات سيعوض تراجع عمالقة حاسي الرمل وحاسي مسعود، فإننا سنصطدم فورًا بمأزق حسابي. لكن كل شيء يمكن أن يتغير مع الزمن بفضل القيمة المضافة الناتجة عن التحويل الصناعي في المراحل اللاحقة: أولًا عبر الاندماج الصناعي، ثم عبر عائدات التصدير.
عودة إلى المنطق السليم
انتظرت طوال الأسبوع على أمل ألا أضطر لكتابة هذه الزاوية حول قضية جلول سلامة–غار جبيلات، خوفًا من أن يغلب طابع الشهادة على التحليل. لكن الوقائع واضحة. لقد عبّر الخبير جلول سلامة عن رأي مدعوم بتحليل، وهو يقول في جوهره ما هو مكتوب هنا، وإن كان من زاوية محاسبية أكثر. لكي يصبح غار جبيلات مربحًا في أجل معقول، يجب مواصلة الاستثمار في التحويل الصناعي (في المصب). هذا منطق بسيط.
ومع ذلك، فقد تم توقيفه وهو مهدد بالسجن. لماذا؟ أولًا لأن دستور نوفمبر 2020 معلق فعليًا. كان يفترض أن تحميه مادّتاه 52 و54 على الأقل، لكنه لا يمكنه الاعتماد عليهما أمام الشرطة القضائية. تنص الأولى على أن «حرية التعبير مضمونة». أما الثانية فهي مخصصة لحرية الصحافة، وتشمل، من بين أمور أخرى، حرية التعبير والإبداع للصحفيين والمتعاونين مع وسائل الإعلام. وبصفته مستشارًا في قناة تلفزيونية، يتمتع جلول سلامة بهذا الوضع، ويمكنه الاستناد إلى نص المادة التي تنص على أن «جنحة الصحافة لا يُعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية».
وأنا أكتب هذه السطور، ما زلت آمل ألا يلقى جلول سلامة المصير الذي لقيته بعد ستة أيام من الحجز تحت النظر بين 23 و29 ديسمبر 2022. فدائمًا ما يحتاج الأمر إلى وقت لاختراع تهم تتجاوز نصوص الدستور التي تضمن الحريات.
لقد أنار جلول سلامة ملف غار جبيلات برأي موثق وبناء وضروري للنقاش الاقتصادي. وسيكون من الكارثي لثقة نخبنا أن يُختلق له سبب لسجنه في نهاية فترة الحراسة النظرية المقلقة هذه. أعرف هذا الأسلوب جيدًا. فالقضية دائمًا هي حرية الكلام في الشأن العام.
قناعتي أن مشروع غار جبيلات قوي بما يكفي للدفاع عن نفسه إذا رأى القائمون عليه أنهم «أُسيئ إليهم». المطلوب هو العودة إلى العقل، وإعادة جلول سلامة إلى عائلته، والاستماع إلى الخبراء، خصوصًا حين تكون لديهم شجاعة قول ما يرونه حقًا في مصلحة البلاد.

