B E R H G A M

T N E G R E M E

أخبار دولية

قمة مدريد–الرباط: انسجام في القمة، ومشاعر ريبة في القاعدة

أسامة نجيب 28 نوفمبر 2025
قمة مدريد–الرباط: في الوقت الذي يبدو فيه أن كل شيء يسير على ما يرام “في القمة”، فإن الوضع “في الأسفل”

يُقدَّم الاجتماع الإسباني-المغربي رفيع المستوى، في دورته الثالثة عشرة، الذي يُعقد في مدريد يومي 3 و4 ديسمبر 2025، من قِبَل مدريد والرباط على أنه ترجمةٌ لمرحلةٍ راسخة في علاقاتهما الثنائية. غير أنه، في الوقت الذي يبدو فيه أن كل شيء يسير على ما يرام “في القمة”، فإن الوضع “في الأسفل” مختلف تمامًا: إذ يرى إسباني من بين كل أربعة أن المغرب يشكل “تهديدا “.

منذ الدعم الذي قدّمه رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، لخطة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب للصحراء الغربية، يعرضُ الجهاز التنفيذي الإسباني العلاقات مع الرباط كـ«شراكة استراتيجية طويلة الأمد». وتؤكد الحكومتان على تكثيف المبادلات الاقتصادية، وتعميق مشاريع الربط الطاقي، والتعاون في مجالي الهجرة والأمن، إضافة إلى التنسيق بشأن كأس العالم 2030 التي ستُنظَّم بشكل مشترك بين إسبانيا والبرتغال والمغرب. يُلحّ الخطاب الرسمي على فكرة «استعادة الثقة» و«الاستقرار المشترك»، مع رغبة معلنة في طيّ أزمات السنوات السابقة واعتبارها فصولًا منتهية.

قبل أسبوع من انعقاد القمة، نشر مركز البحوث الاجتماعية (CIS) في 27 نوفمبر 2025 بارومتره الشهري. ويُعتبر الـCIS هيئةً عمومية مستقلة تابعة مباشرة لرئاسة الحكومة الإسبانية، ومهمته دراسة المجتمع الإسباني عبر استطلاعات رأي منتظمة مبنية على عينات ممثلة للسكان. وتغذّي نتائج هذه الاستطلاعات الأبحاث الجامعية والتحليلات الإعلامية والقرارات العمومية، مما يجعل منه أداة أساسية لقياس الاهتمامات الاجتماعية وتطور الرأي العام. وفي هذا البارومتر، رأى نحو ربع المستجوَبين أن احتمال نشوب صراع مسلّح مع المغرب أمر «معقول»، فيما اعتبر أكثر من نصفهم أن المغرب هو «التهديد الخارجي الأول»، متقدمًا على روسيا والولايات المتحدة. وهو ما يعكس فجوةً كبيرة بين دينامية العلاقات الرسمية والتمثلات السائدة داخل المجتمع الإسباني.

تطبيع مثير للجدل

تقدّم حكومة سانشيز تطبيع العلاقات مع الرباط بوصفه خيارًا استراتيجيًا هدفه ضمان التعاون في القضايا ذات الأولوية، خصوصًا تدفقات الهجرة والأمن. وتستند المراجعة التي قامت بها مدريد لموقفها التقليدي من قضية الصحراء الغربية إلى هذه الرهانات، ويُصرّ الجهاز التنفيذي على أنها خطوة براغماتية، رغم معارضة اليساريين شركاء الحزب الإشتراكي في الائتلاف الحكومي. أما الأزمات التي طبعت المرحلة الأخيرة — أزمة الهجرة في سبتة عام 2021، واستقبال زعيم جبهة البوليساريو للعلاج في إسبانيا، والجدل المرتبط باستخدام برنامج بيغاسوس — فقد أصبحت اليوم «منسية»، أو على الأقل لم تعد تحدّد مسار العلاقات الثنائية.

وتبين استطلاعات الـCIS ومعهد «إلكانو» الملكي أن المغرب يحتل موقعًا فريدًا في تمثلات الرأي العام الإسباني؛ إذ يظهر بشكل متكرر في صدارة الدول التي يُنظر إليها كتهديد محتمل، غالبًا قبل روسيا أو الولايات المتحدة، بينما نادرًا ما يُذكر اسم الجزائر، رغم كونها جارًا مباشرًا ولاعبًا رئيسيًا في المنطقة المغاربية. يبدو أن الرأي العام الإسباني ما زال يحمل أثر أزمة الهجرة في سبتة عام 2021، إلى جانب المطالب السياسية للمغرب حول سبتة ومليلية، واستمرار دعم جزء من المجتمع الإسباني للقضية الصحراوية، فضلًا عن اهتمام بعض المحللين بالتعاون العسكري المتنامي بين المغرب وإسرائيل.

وذكرت صحيفة إلفارو دي سبتة رأي الخبير كارلوس إتشيفيريا، مدير «مرصد سبتة ومليلية»، الذي تحدّث عن «معضلة أمنية» بالنسبة لإسبانيا. فقد اعتبر أن تنامي القدرات التكنولوجية للمغرب، إلى جانب المطالب المتعلقة بسبتة ومليلية واستمرار الضغط الهجروي على الحدود الجنوبية، يشكّل مجموعة من العوامل القادرة على تغذية المخاوف التي تظهر في استطلاعات الرأي.

رأي عام منقسم

ليست التمثلات موحّدة داخل المجتمع الإسباني، بل تختلف بحسب التوجهات السياسية. وتشير الاستطلاعات إلى أن الميل إلى اعتبار المغرب تهديدًا هو الأكثر حضورًا بين ناخبي اليمين واليمين المتطرف. ففي هذه الأوساط، تُناقَش قضايا سبتة ومليلية والهجرة والصحراء الغربية باعتبارها ملفًا واحدًا مترابطًا. وكما هو الحال لدى جزء من اليسار، تتهم هذه التشكيلاتُ حكومةَ سانشيز بأنها غيّرت الموقف التقليدي لإسبانيا من أجل تلبية ما تعتبره «مطالب الرباط»، مقابل تخفيف التوترات الحدودية. هكذا ترافق العلاقة الجيدة بين مدريد والرباط درجةٌ مرتفعة من الريبة داخل الرأي العام الإسباني. وستكون قمة 3 و4 ديسمبر مناسبةً لعرض صورة انسجام مثالي، لكنها ستنعقد على أرضية داخلية هشّة.