هيمنت قرارات اقتصادية متناقضة على المشهد الجزائري خلال 2025، وخلقت واحدة من أكثر السنوات جدلا. من جهة، قانون مناجم جديد كسر قواعد استمرت منذ التأميمات، وفتح القطاع أمام استثمارات أجنبية واسعة. ومن جهة أخرى، منحة سياحية رُفعت ثم أُرجئت ثم شُددت، لتتحول من إجراء اجتماعي إلى ملف أمني وقضائي. مساران مختلفان، لكنهما كشفا نمطاً واحداً: ارتجال في القرار، انقسام سياسي، وتآكل الثقة الاقتصادية.
قانون المناجم: تفكيك القواعد القديمة باسم الاستثمار
في 15 ماي 2025، دخل مشروع قانون المناجم مرحلة النقاش البرلماني، قبل المصادقة عليه ونشره في الجريدة الرسمية يوم 10 أوت، ليصبح ساري المفعول. المشروع جاء ليعوض قانون 2014، الذي كان يفرض قيوداً صارمة على الاستثمار الأجنبي، ويصنف المناجم ضمن القطاعات الاستراتيجية.
النص الجديد ألغى عملياً هذا التصنيف، وسمح لأي شخص معنوي خاضع للقانون الجزائري أو الأجنبي بالتنقيب، مع حصر الاستغلال في شركات خاضعة للقانون الجزائري، لكنها قد تكون مملوكة بنسبة تصل إلى 80 بالمائة لأجانب، مقابل مشاركة دنيا للدولة لا تتجاوز 20 بالمائة.
الحكومة قدمت هذا التحول باعتباره ضرورة اقتصادية، مؤكدة أن القيود السابقة عطلت استغلال الثروات المنجمية وأفشلت جذب الاستثمارات، في وقت يشهد فيه العالم سباقاً محموماً على المعادن الاستراتيجية.
معارضة سياسية: السيادة في مواجهة منطق السوق
منذ الإعلان عن المشروع، تصاعدت ردود الفعل السياسية. أحزاب العمال، الأفافاس، جيل جديد، والأرسيدي اعتبرت القانون تراجعاً عن منطق السيادة الاقتصادية، وخرقاً لروح الدستور الذي ينص على أن الثروات الطبيعية ملك للشعب.
تركز الجدل حول إلغاء قاعدة 51/49، التي شكلت لعقود أحد رموز حماية القطاعات الاستراتيجية. ورغم إدخال تعديل على المادة 102 في جوان 2025 يسمح برفع حصة الدولة إذا “بررت المصلحة الاقتصادية”، رأت المعارضة أن الصيغة بقيت مفتوحة على كل الاحتمالات، دون سقف أو ضمانات.
شخصيات سياسية وإعلامية ربطت تمرير القانون بسياق دولي أوسع، خاصة مع تزايد الاهتمام الأمريكي بالمعادن والطاقة في الجزائر، واعتبرت أن القانون يندرج ضمن تحول استراتيجي في الخيارات الاقتصادية والدبلوماسية.
المنحة السياحية: قرار اجتماعي بلا روزنامة
في المقابل، عاشت المنحة السياحية مساراً معاكساً. قرار رفعها إلى 750 أورو أُعلن في ديسمبر 2024، لكن 2025 تحولت إلى سنة مواعيد مؤجلة.
وزير المالية قدم ثلاثة آجال مختلفة: نهاية رمضان، قبل صيف 2025، ثم “خلال 15 يوماً”، قبل أن يحيل الملف إلى بنك الجزائر، في سابقة عكست تشتت مراكز القرار.
ورغم تجهيز شبابيك الصرف، لم تدخل المنحة حيز التنفيذ إلا بعد أكثر من سبعة أشهر، في وقت كانت السوق الموازية تواصل تسجيل مستويات قياسية.
من الانفراج إلى التشديد: حين يتحول الإجراء إلى ملف أمني
بعد أسابيع قليلة من بدء صرف المنحة، أعلنت السلطات تسجيل أكثر من 100 ألف حالة احتيال، خاصة عبر رحلات وهمية نحو تونس.
الرد كان سريعاً ومتشدداً: منع الدفع النقدي، فرض الحساب البنكي، تشديد الرقابة، وإقرار عقوبات جزائية وإدارية قاسية.
بتاريخ 15 ديسمبر 2025، أصدر بنك الجزائر تعليمة جديدة أحكمت السيطرة على المنحة، لتنتقل السياسة من منطق التيسير إلى منطق الحصار التنظيمي.
انتقادات: اقتصاد بلا بوصلة اجتماعية
سياسياً، لم تهدأ الانتقادات. اعتبر معارضون أن الدولة تفتح القطاعات السيادية أمام رأس المال الأجنبي، بينما تضيق على المواطن في أبسط أشكال الوصول إلى العملة الصعبة.
وُصفت المنحة بأنها إجراء شكلي، لا يعالج جوهر الأزمة النقدية، ولا يحد من السوق الموازية، بل يعيد إنتاجها تحت رقابة أشد.
وبين قانون مناجم فكك القيود التاريخية بسرعة قياسية، ومنحة سياحية وُلدت متعثرة ثم أُفرغت من مضمونها الاجتماعي، بدت 2025 سنة قرارات كبيرة دون توافق، وإصلاحات بلا سردية موحدة.
النتيجة كانت جدلاً سياسياً واسعاً، واقتصاداً يتحرك بين الانفتاح المفاجئ والتشديد المفرط، في مشهد يعكس غياب رؤية متماسكة لإدارة الموارد… سواء كانت ثروات باطن الأرض أو حقوق المواطن في السفر. فماذا ستحمل السنة المالية الجديدة.
