B E R H G A M

T N E G R E M E

الأسبوع الاقتصادي

الجزائر: فخّ الدخل المتوسط… آخر كابوس رئاسي

Maghreb Emergent 10 ديسمبر 2025

منذ عامين، وعد الرئيس عبد المجيد تبون بأن يبلغ الناتج المحلي الإجمالي 400 مليار دولار بحلول نهاية عام 2027. ساد حينها شعور بأن هذا الرهان بعيد عن الواقع، وربما استند إلى الارتفاع المفرط في أسعار المواد الأولية عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وإلى تقييم مبالغ فيه، وظرفي في نهاية المطاف، للصادرات غير النفطية. اليوم، لا أحد يجرؤ على إعادة تبنّي هذا الهدف المتعلق بالوصول إلى 400 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي في 2027.

في الخلفية، كان هناك مع ذلك منطق رمزي لوضع العتبة عند هذا المستوى: فبمثل هذا الناتج المحلي الإجمالي، كانت الجزائر ستقترب من الخروج من فخّ الدخل المتوسط، الذي يتراوح بين 4000 و10000 دولار، وهي منطقة رمادية تتوقف فيها البلدان عن اللحاق بالاقتصادات المتقدمة. دخلت الجزائر هذه المنطقة منذ ما يقرب من عقدين. ولم تخرج منها. والأسوأ أنها تراجعت داخلها.

عقدٌ ضائعٌ بالدولار

في عام 2013، وقبل فترة وجيزة من انقلاب سوق النفط، سجلت الجزائر ناتجاً محلياً إجمالياً بلغ نحو 230 مليار دولار بالقيمة الجارية. في عام 2024، بالكاد يتجاوز الرقم 260 ملياراً. أي بزيادة ضئيلة قدرها 15٪ خلال أحد عشر عاماً، في عالم شهد انفجاراً في معدلات التضخم وتوسعاً في أحجام الاقتصادات والكتلة الاسمية.

النتيجة أكثر قسوة عندما يتعلق الأمر بالناتج المحلي الإجمالي للفرد: حوالي 6000 دولار في عام 2013، مقابل نحو 5600 دولار في عام 2024. متوسط دخل الجزائريين تراجع قليلاً بالدولار خلال أكثر من عقد.

وتشير هذه الأرقام جميعها إلى تشخيص واحد: نمو ضعيف وغير مستدام. تشهد إنتاجية عوامل الإنتاج ركوداً. يظل الاستثمار الخاص مقيَّداً بفعل عدم الاستقرار التنظيمي وهيمنة الشركات العامة. ويظل الاستثمار الأجنبي المباشر هامشياً، تُستقطَبُ وجهته في بلدان أخرى من المنطقة. ولا يزال القطاع الصناعي عاجزاً عن تجاوز 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وما يقرب من 40% من الناتج غير النفطي، في دلالة على جهاز تصنيعي غير متنوع بما يكفي. والأسوأ أن نحو 90% من الصادرات ما تزال مرتبطة بالمحروقات. فالبلد الذي يواصل تصدير الطاقة والشباب من حملة الشهادات لا يخرج من الفخ، بل يغوص فيه.

معيار مقارنة لا يرحم

يُطرح هنا سؤال حول كيفية تعامل الدول الأخرى مع هذا الفخّ الشهير للدخل المتوسط. المقارنة الإقليمية لا تترك مجالاً للمراوغة الخطابية. بين عامي 2013 و2024، أدّت الجزائر أداءً أفضل من نيجيريا فقط، وهو اقتصاد يشهد شبه انهيار اسمي منهكاً بتراجع قيمة النايرا والصدمات الأمنية. أمّا أمام بقية الاقتصادات، فهي تتراجع.

شهدت المملكة العربية السعودية، التي لا تعاني من هذا الفخ وإن كانت تخضع للدورات النفطية نفسها، قفزة في ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي وتقدّماً في نصيب الفرد بنحو 30%. ورفع المغرب ومصر، اللذان لا يتمتعان بريع طاقوي مماثل، دخلهما الفردي بنحو 20%. أما العراق، الممزق بالحروب، فكان أداؤه أسوأ ببعض الهامش فقط من الجزائر.

في هذا المشهد، تقف الجزائر في موقع غير مريح: فلا هي تمتلك “أعذار” نيجيريا، ولا هي تحقق إنجازات السعودية أو جيرانها المغاربيين في التنويع الاقتصادي. رغم امتلاكها موارد مالية أكبر من معظمهم، إلا أنها تحول هذه الموارد إلى نمو فردي أقل. وهذا هو التعريف الدقيق لدولة عالقة في منتصف الطريق.

الديموغرافيا… مخرج محتمل يتحوّل إلى ضغط

كان يمكن للديموغرافيا أن تكون حليفاً للجزائر، لكنها تتحول اليوم إلى عبء. فالسكان يزيدون بنحو 1.4% سنوياً منذ بداية العشرينيات. الوتيرة ليست انفجارية، لكنها مرتفعة بما يكفي. ومع معدل نمو اقتصادي حقيقي متوقع أقل من 4% سنوياً خلال السنوات الثلاث المقبلة (وفق البنك الدولي)، يضيق هامش تحسين الدخل الفردي.

وطالما يظل نمو الناتج المحلي الإجمالي عالقاً بشكل مستدام تحت 5%، فإن الآلية لا ترحم: كل عام، يلتحق مئات الآلاف من الجزائريين الجدد بسوق العمل، بينما يضيف الاقتصاد نقاط نمو ضعيفة وغير كافية لاستيعاب هذه الموجة. حينها تتوقف الديموغرافيا عن كونها “عائداً” وتتحول إلى قيد ينهش نصيب الفرد، ويغذي البطالة، ويدفع إلى الهجرة.

الكابوس الرئاسي ليس في عدم بلوغ 400 مليار من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2027. الكابوس الحقيقي أقسى بكثير، وهو مسار يمتد عقداً: الخروج من شريحة الدخل المتوسط الأعلى، ولكن من الأسفل، عبر الانزلاق نحو فئة الدخل المتوسط الأدنى. ومع تآكل نصيب الفرد من الناتج بشكل مستدام، يبرز خطر الهبوط إلى ما دون العتبة المعيارية البالغة 4500 دولار للفرد. من دون تحول جذري في الإنتاجية والاستثمار والانفتاح، لن تصعد الجزائر إلى الدرجة التالية. كل ما ستفعله هو تغيير ملصقها الإحصائي.