من المقرر أن تستأنف اليوم اللقاءات حول ملف الصحراء الغربية في الولايات المتحدة هذه المرة، حسبما أوردته الصحافة الاسبانية في هذا الشان. وهو ثاني لقاء بعد ذلك الذي تم في السفارة الأمريكية بمدريد. لقاءات تطبعها السرية لحد الساعة، حيث رفض مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولوس، التعليق على مضمون المحادثات، معتبرا ذلك “ملكا لطرفي النزاع، أي المغرب والصحراويين” كما قال لقناة DW الألمانية.
وإن كان مستشار دونالد ترامب قد جدد في حوار مع “فرانس 24” موقف الولايات المتحدة المساند للطرح المغربي بالحكم الذاتي، فإنه أوضح أن “هذا الموقف ثابت ويمثل السقف الأعلى، لكننا اليوم يحتم علينا قرار مجلس الأمن العمل دون هذا السقف”. ونفهم من هذا التصريح، أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تسعى من خلال هذه اللقاءات التي ترعاها حول النزاع القائم منذ خمسين سنة، لفرض موقفها خارج إطار الشرعية الدولية، عكس التحاليل القائلة ان إدارة ترامب بصدد الضغط على جبهة البوليساريو لقبول الطرح المغربي.
السيناريو الأسوأ
الجولة الجديدة من المفاوضات حول القضية الصحراوية مفتوحة على عدة إحتمالات. ولنبدأ بالاحتمال الأسوأ ، والمتمثل في فرض إدارة ترامب موقفها على الصحراويين، خارج إطار الشرعية الدولية التي أقرت بعدم وجود أي أدلة موثقة تفيد بخضوع تراب الصحراء الغربية للسيادة المغربية قبل الاحتلال الاسباني. ويعتبر هذا الاحتمال أسوأ، ليس سينايو يتجاوز إرادة الصحراويين فقط، بل لكونه يحمل العديد من المخاطر على منطقة شمال إفريقيا ككل.
هذا السيناريو هو الأسوأ لأنه لا يترك لجبهة البوليساريو خيارات سوى أن ينتشر أفرادها بين مختلف البلدان الجارة وغير الجارة، وسيدفع بآخرين للانتشار في الصحراء… وهذا سيحول منطقة شمال إفريقيا في بؤرة فوضى شاملة شبيهة بالوضع السائد في دول الساحل. وضع لا يخدم المصالح الأمريكية ولا يمكن لادارة ترامب أن تدفع بإتفاق سلام ليكون في النهاية “إتفاق حرب”.
أي دور لفرنسا وأوربا ؟
وفي سيناريو آخر، قد تأخذ المبادرة الأمريكية الخاصة بملف الصحراء الغربية، نفس توجه مبادرتها في الملف الأوكراني، أين ظهر فولوديمير زلينسكي، محصورا بين فكي كماشة، ممثلين في القصف الروسي من جهة والاطماع الأمريكية من جهة أخرى. الكل كان يرشح الرئيس الأوكراني للاستسلام والبحث عن بلد اللجوء. لكن الدعم الأوربي غير المعادلة لحد الساعة، وإتضح أن التقارب بين ترامب وبوتين ليس بالحميمية التي وصف بها من قبل المحللين الاستراتيجيين.
بإمكان أوربا ان تلعب نفس الدور في الملف الصحراوي، وتمنع بذلك فتح المجال لدفن القانون الدولي والأمم المتحدة. وبإمكان فرنسا خاصة، أن تلعب تقود أوربا في هذا الدور كما تقودها في الملف الأوكراني. ربما ماكرون سارع للغعتراف بمغربية الصحراء، لأنه راهن على لعب دور معين في الحل الموعود قبل فوات الأوان. لكن الأحداث أظهرت العكس، ونقل موقع “ميديا بارت”، أن فرنسا لم تعلم حتى بوجود لقاء سيعقد في العاصمة الاسبانية مدريد.
لم يعد يخفى على أحد ان الخاسر الأكبر في التقلبات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، هي أوربا، وعلى رأسها فرنسا التي فقدت الكثير من مناطق نفوذها في إفريقيا. فليس من مصلحة فرنسا ومن ورائها أوربا ترك الجزائر عرضة لوحدها للآلة الكاسحة الاسرائيلية الأمريكية، وقد تطرق ماكرون بمناسبة إلغاء تعريفات ترامب الجمركية من قبل المحكمة العليا الأمريكية، لما سماه “أهمية وجود السلط المضادة في الديمقراطية”…

