B E R H G A M

T N E G R E M E

أحدث الأخبار

بداية عام 2026 مضطربة في الجزائر: ارتجال، توترات وحالة ترقّب

أسامة نجيب 6 يناير 2026
صدام مباشر بين قانون تم تمريره بسرعة وواقع مهني معقد، يطبع مبكرًا ملامح سنة 2026.

بدأت الجزائر عام 2026 بسلسلة من الأحداث السياسية والاجتماعية المكثفة، التي تكشف عن تراكم التوترات على خلفية اختلالات هيكلية في حوكمة البلاد. مناخ يعزز لدى الرأي العام الانطباع بأن البلاد مقبلة على سنة معقدة ومحفوفة بالمخاطر.
بين إضراب الناقلين الذي فجّره قانون مرور عقابي على طريقة “ترميناتور”، وقرارات اقتصادية مثيرة للجدل غالبًا ما تُتخذ دون دراسات مسبقة، والغموض الذي يلفّ المشهد المؤسساتي، يسود شعور عام بأن البلاد تتحرك دون رؤية واضحة. ويضاف إلى هذا المشهد الداخلي اعتماد الجزائر سياسة خارجية منخفضة السقف، في لحظة دولية تتسم بعودة صريحة لمنطق الهيمنة الأميركية بطابعه الإمبريالي والافتراسي.


قانون مرور… لا يصمد على الطريق


لم تتوقع السلطات حجم الغضب الذي عبّر عنه الناقلون، والذي عكس بدوره تململاً واسعًا لدى السائقين، عقب تشديد العقوبات المالية والجزائية. الإضراب الواسع، الذي بدأ في 1 جانفي، شلّ حركة نقل البضائع وأظهر هشاشة العديد من السلاسل اللوجستية.
القانون الجديد، الذي صيغ كردّ فعل عاطفي على حوادث مميتة وخطاب متكرر حول “الإرهاب المروري”، أثار مخاوف عميقة لدى مهنيين يواجهون أصلًا ارتفاع تكاليف التشغيل وتدهور البنى التحتية. ويؤكد ممثلو القطاع أن النص الجديد “منفصل عن الواقع”، ولا يعكس ظروف العمل اليومية ولا يأخذ بعين الاعتبار طبيعة النشاط.
وبين التشدد والتهديد، والاستعداد المتأخر لفتح الحوار، بدت السلطات وكأنها تتراجع خطوة بخطوة نحو تعديلات اضطرارية. هذه الأزمة، الناتجة عن صدام مباشر بين قانون مرّ بسرعة وواقع مهني معقد، تطبع مبكرًا ملامح سنة 2026.


ارتجال اقتصادي… تُدفع فاتورته “كاش


تزامن التوتر الاجتماعي مع هزة مؤسساتية تمثلت في إقالة محافظ بنك الجزائر، الذي تحوّل عمليًا إلى “كبش فداء” لقرار غير قابل للتطبيق وأثار موجة ارتباك واسعة. فحين أمرت المؤسسة البنوك التجارية بعدم قبول التعاملات النقدية إلا في حالات “استثنائية ومبررة”، تصرفت كما لو أن النقد لا يهيمن على التعاملات، في وقت لا تزال فيه المدفوعات الإلكترونية محدودة الانتشار.
نظريًا، كان الهدف محاربة الاقتصاد الموازي وتعزيز الشفافية المالية. أما عمليًا، فقد وضعت التعليمة المتعاملين في وضع مستحيل، وخلقت حالة من الارتباك وصعوبات حقيقية للفاعلين الاقتصاديين.
لم يكن مفاجئًا أن تثير الخطوة موجة اعتراض واسعة. فقد اعتبر التجار والمؤسسات الصغيرة القرار غير قابل للتطبيق وقادرًا على تعطيل النشاط اليومي. وفي يوم الأحد، تراجع بنك الجزائر رسميًا، ومنح البنوك هامش تقدير يعتمد على تقييم مخاطر كل زبون، قبل أن يُقال المحافظ. هاتان الخطوتان “التصحيحيتان” تعكسان بوضوح الفجوة بين القرارات الرسمية وواقع السوق.


لغز “المراجعة التقنية” للدستور


إلى جانب هذه التوترات، برزت منطقة ظلّ جديدة بعد الإعلان، في 30 ديسمبر 2025، عن مراجعة دستورية “تقنية”، قبل أن يتم تأجيلها دون تحديد أي رزنامة. لم تُنشر أي نسخة مفصلة للمشروع، ولم يبدّد التبرير الرسمي بضرورة “التعمق” الشكوك القائمة. وفي بلد شهد تعديلات دستورية متتالية وذات جدوى محل نقاش، زادت هذه الضبابية من الشعور باللايقين المؤسساتي.


موقف خارجي منخفض السقف


على الصعيد الدبلوماسي، لوحظ تغير في نبرة الجزائر. فخلافًا لتقليدها القائم على مواقف صلبة تجاه قضايا السيادة ورفض التدخلات، التزمت الجزائر صمتًا لافتًا إزاء الهجوم الأميركي العنيف على فنزويلا، وهو هجوم يقوّض ما تبقى من الشرعية الدولية، المنتهكة أصلًا، خصوصًا في فلسطين المحتلة.
هذا التحفظ يتناقض مع لهجة أكثر حدّة في ملف إقليمي آخر. فقد عادت العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة إلى واجهة الاهتمام الإعلامي، في سياق إعادة تشكيل موازين القوى في الخليج. صحيفة “الخبر”، في دور “المستطلع غير الرسمي”، تساءلت صراحة في صفحتها الأولى عن احتمال قطع العلاقات بين الجزائر وأبوظبي، في وقت تمر فيه الإمارات بمرحلة حساسة في علاقاتها مع السعودية.
ترابط أحداث… وأسئلة تتجدد
كل حدث من هذه الأحداث يبدو، منفردًا، منتميًا إلى سياق مختلف. لكن تزامنها يعيد إحياء تساؤلات قديمة حول حوكمة البلاد وقدرة النظام على التنبؤ والصمود أمام الصدمات. لا تشكل أي من هذه التطورات قطيعة بحد ذاتها، لكنها مجتمعة ترسم ملامح حالة انتظار، حيث ستكون القرارات المقبلة تحت المجهر، بما تعلنه… وبما تخفيه.