B E R H G A M

T N E G R E M E

أحدث الأخبار

ثلاث نساء أجنبيات اقتحمن المشهد الجزائري المغلق

سعيد بودور 30 يناير 2026

الجزائر اليوم تشهد واقعًا صارخًا: الأحزاب الوطنية مشلولة، قياداتها تكتفي بالبقاء في الظل، تتحرك فقط بعد إذن مسبق، بينما النفوذ الخارجي يتقدم بخطى ثابتة. ثلاث نساء أجنبيات دخلن المشهد السياسي، وصنعن حضورًا لا يمكن تجاهله: الفرنسية سيغولين روايال، الإيطالية جورجيا ميلوني، والأمريكية إليزابيث مور أوبين.

بالأمس، أظهر والي النعامة وجه السلطة الصارم حين استقبل السفيرة الأمريكية أوبين بابتسامة عريضة، متجاهلًا المجتمع المدني، وموجّهًا رسالته الصريحة: “من أنتم حتى تحاسبونا؟”.

قبل ذلك، كرر وزير الداخلية والنقل نفس الموقف عند مخاطبته نائب الجالية في البرلمان، الذي انتقد خدمات شركة الخطوط الجوية الجزائرية، قائلاً: “الهجوم على الدولة بهذه الطريقة مرفوض”.

منذ 2019 شُن هجوم إداري ، ضد أحزاب سياسية ومنظمات حقوقية، قرّر القضاء الإداري حل عدد منها وتجميد نشاط البقية. ما تبقى منها ترفض الداخلية منحه رخص تنظيم وقفات ، واشتكى الاخر الإقصاء من مشاورات لتعديل التقني للدستور ، رغم أنه يملك تمثيل نيابي في البرلمان ..

في صائفة 2024، أعلنت فجأة السياسية لويزة حنون الانسحاب من غمار الرئاسيات، والسبب بحسبها :”مُضايقات إدارية”.

أيام بعدها يعتقل ثلاثة مترشحين منهم إمرأة، بعدما وجه لهم القضاء تهم تتعلق بشراء الذمم.

الحساسية اذن معلنة ، رفض النقد ورفض المحاسبة، سواء من البرلمان أو من المجتمع المدني، يؤكد استمرار ثقافة الإفلات من المساءلة الشعبية..فماذا عن رقابة الغرب لنا وتدخله في سير شؤوننا.

جورجيا ميلوني، الإيطالية، حولت ملف الغاز إلى أداة نفوذ استراتيجية. اجتماعاتها المتكررة في الجزائر وخارجها لم تكن مجرد شكلية، بل تحديد لمواقع القوة. بينما السياسي المحلي يبقى محاصرًا ببيروقراطية السلطة، ينتظر التعليمات قبل أن يحرك ساكنًا.

السيناريو مُمثل الشعب بإحدى ولايات الجنوب ، فرَّ من بلاده عبر قارب الهجرة ، لأنه تحدث عن وزير الدولة وزير الطاقة ، محمد عرقاب ، وعن إدارة قطاع الكهرباء لولاية ورقلة انطلاقا من ولاية البليدة في الشمال. صدرت في حقه مذكرة قبض دولية رفض القضاء الإسباني طلب تسليمه للجزائر.

إليزابيث مور أوبين، الأمريكية، جعلت من الجزائر منصة دائمية للنفوذ المباشر. تلتقي كبار المسؤولين في الرئاسة والجيش والوزارات الحساسة، تزور الولايات، تبني قنوات مع المجتمع المدني والولاة. حضورها يفوق أي نشاط حزبي محلي، ويكشف على الفراغ الذي تركته السلطة أمام الخارج.

أتذكر أن قاعة التحرير ، كلفتني بتغطية زيارتها لولاية وهران، النتيجة كانت كما توقعتها ، توقيف واعتقال أمام أنظار زوجها ، لأنني ببساطة ، صحافي جزائري غير مرغوب في مواطنته ولا مهنته ولا وجوده أصلاً.

سيغولين روايال، الفرنسية، أتت برمزيتها السياسية. استقبالها من الرئيس والوزراء، والسماح لها بزيارة صحفي فرنسي مسجون، خطوة لم ينجح الرئيس الفرنسي ماكرون في تحقيقها شخصيًا. الرسالة واضحة: النفوذ الفاعل لا ينتظر المناصب الرسمية، بل يتحرك حيث تتهاوى القدرة المحلية على المبادرة.

أُصبتي بغيرة شديدة، وسألت متذمراً، من الشخصية الجزائرية التي ستطلب من وزير العدل ، السماح لها بزيارة الصحافي عبدالوكيل بلام بسجن الحراش، أو غيره من معتقلي الرأي أو السجناء السياسيين !؟

النساء الثلاث أثبتن أن المشهد السياسي الجزائري عارٍ حقيقة ، وأنه ، بدل تحريك الفاعلين المحليين، فضلنا الهروب إلى الأمام الأحزاب المنظمات الشخصيات ، التي كانت يومًا قاطرة القرار، صارت مرافقًا تابعًا للإذن، وتركوا الفراغ ليملأه الخارج.

القوة في الجزائر اليوم ليست للمنصب الرسمي. القوة لمن يعرف كيف يحرك الملفات ويصنع اللقاءات ويستغل الفراغ المحلي. ثلاث نساء أجنبيات، بثلاث أساليب مختلفة، رسمن خارطة النفوذ التي يجب أن تُقرأ بصمت، بينما السياسي المحلي والسلطة نفسها يكتفون بالمراقبة، عاجزين عن حماية مشهدهم من السيطرة الخارجية.

هذا رأي أصدح به رغم علمي بأنه وأنني غير مرغوبان فينا، لكنني حزين…حزين.