شنّت الولايات المتحدة ليلة السبت إلى الأحد عدة هجمات على كراكاس والمناطق المجاورة في ولايات ميرندا ولا غويرا وأراجوا. وشوهدت انفجارات ضخمة حوالي الساعة الثانية صباحًا (بتوقيت فنزويلا)، ترافقها تحليقات لطائرات على ارتفاع منخفض وأعمدة دخان في عدة أحياء بالعاصمة، حسب شهود السكان.
وأكد الرئيس الأمريكي، السبت، العملية التي نفذتها القوات الأمريكية في كراكاس ومدن أخرى، قائلاً: «لقد تم القبض على نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهم خارج فنزويلا»، حسب رسالة نشرها على أحد حساباته على الشبكات الاجتماعية.
أدانت الحكومة الفنزويلية العملية، ووصفتها بأنها «اعتداء عسكري شديد الخطورة» استهدف مواقع مدنية وعسكرية، مؤكدة أنها تمثل «انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة» وتهدد «السلام والاستقرار الدوليين، خصوصًا في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي». واعلن الرئيس نيكولاس مادورو حالة الطوارئ على كامل البلاد وتعبئة القوات المسلحة. وذكر البيان الرسمي أن «الشعب الفنزويلي وقواته المسلحة البوليفارية، في اندماج كامل بين الشعب والجيش والشرطة، منتشرون لضمان السيادة والسلام».
اتهمت الحكومة الولايات المتحدة بمحاولة فرض تغيير سياسي، مؤكدة أن «محاولة فرض حرب استعمارية لإحداث “تغيير نظام” […] ستفشل كما فشلت كل المحاولات السابقة». وأشار البيان أيضًا إلى أن «هدف هذه الهجمات ليس سوى السيطرة على الموارد الاستراتيجية لفنزويلا، خصوصًا النفط والمعادن، ومحاولة كسر الاستقلال السياسي للبلاد بالقوة».
التضامن الإقليمي
كانت ردود الفعل في أمريكا الجنوبية حادة. فقد أدان الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل «الهجوم الإجرامي الذي شنته الولايات المتحدة» ودعا إلى «رد عاجل من المجتمع الدولي». ووصف الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو الغارات بأنها «اعتداء عسكري شديد الخطورة» وطالب بعقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وأعربت الحكومة المكسيكية عن «قلق عميق» وأكدت ضرورة «حل النزاعات سلميًا» مع احترام مبدأ عدم التدخل. أما في البرازيل، فقد وصف المقربون من الرئيس لولا دا سيلفا الغارات بأنها «انفرادية وغير مقبولة»، في حين أكدت بوليفيا ونيكاراغوا دعمها لكراكاس وأدانت التدخل باعتباره «انتهاكًا للقانون الدولي».
تأتي هذه الهجمات ضمن سلسلة من الإجراءات القسرية التي اتخذتها إدارة ترامب، بما في ذلك مصادرة شحنات نفطية، وحصار الموانئ الفنزويلية، ونشر قوات بحرية في منطقة الكاريبي. وتؤكد هذه العمليات أن فنزويلا في قلب حرب النفط، والهدف الحقيقي هو تقويض السيطرة السيادية على مواردها الاستراتيجية.
نوبل “ذريعة أخلاقية”
عززت هذه الأحداث من فكرة أن منح جائزة نوبل للسلام 2025 للمعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو كان جزءًا من سياق سياسي لتبرير العدوان الأمريكي. فقد ندّد جوليان أسانج، مؤسس ويكيليكس، بهذه الجائزة واعتبرها «ذريعة أخلاقية» تسمح بتبرير تصعيد الضغط الأمريكي ضد حكومة نيكولاس مادورو وحلفائها.
منذ حصولها على الجائزة، أعربت ماريا كورينا ماتشادو عن دعمها للإجراءات الأمريكية ضد كراكاس وأثنت على الضغوط التي مورست على الحكومة الفنزويليّة. ويظهر هذا التوجه أن “الحائزة على النوبل” تتماشى علنًا مع مصالح الولايات المتحدة، مؤكدة الدور السياسي والرمزي لهذه الجائزة في دينامية التوترات والغارات على فنزويلا.
كوبا في مرمى النيران
للهجمات آثار إقليمية أيضًا. فكوبا، المعتمدة بشكل كبير على النفط الفنزويلي لتأمين طاقتها، قد تتأثر اقتصادياً بأي تعطّل في صادرات النفط. وتعتبر الحكومة الفنزويلية أن هذه الغارات تظهر رغبة الولايات المتحدة في «فرض سيطرتها على شعوب أمريكا اللاتينية» واستهداف حلفائها الإقليميين بشكل غير مباشر.
تؤكد هذه الأحداث عودة منطق الإمبريالية الكلاسيكية، حيث تسعى القوى الكبرى للسيطرة على الموارد الاستراتيجية ومناقضة التأميم وفرض تغييرات في الحكومات. وتوضح كيف يظل النفط رافعة رئيسية للضغط السياسي والعسكري، وتبرز هشاشة سيادة الدول المنتجة أمام التدخلات الخارجية

