أدلى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بتصريح وصِف بـ«زلّة صراحة»، حين أقرّ أن الهجوم الأميركي على إيران جاء استباقًا لضربة إسرائيلية متوقعة. هذه الإشارة الضمنية تُلمّح إلى أن قرار واشنطن اتبع جدول حليف إقليمي، ما يبرز تحوّل السياسة الأميركية من مبدأ “أميركا أولاً” إلى تأثير إسرائيل على اتخاذ القرار.
وخلال استجوابه في أروقة الكابيتول قبل جلسة إحاطة سرّية، قال روبيو: « كنا نعلم أن إسرائيل ستقوم بعمل عسكري. وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم على القوات الأميركية. لم يكن بإمكاننا أن نقف مكتوفي الأيدي ونتلقى الضربة دون رد. كانت فورية التهديد تكمن في أنه إذا تعرّضت إيران لهجوم — وكنا نعلم أنها ستتعرّض — فإنها ستهاجمنا فوراً ».
وبذلك تستند فكرة « الفورية » إلى يقين بضربة إسرائيلية، لا إلى وجود عمل إيراني وشيك. وحتى الآن، لا يوجد أي دليل علني يشير إلى أن إيران كانت تخطط لهجوم على أهداف أميركية بشكل مستقل عن هذا السيناريو.
« حرب اختيار »
بعد جلسة الإحاطة، رفض السيناتور الديمقراطي عن فرجينيا، مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، تحليل الإدارة بشدة قائلاً: « لم يكن هناك أي تهديد وشيك ضد الولايات المتحدة من جانب الإيرانيين. كان هناك تهديد ضد إسرائيل ». ووصف التدخل بأنه « حرب اختيار »، أي عملية غير مفروضة بتهديد مباشر، تمليها أهداف إسرائيل وجدولها الزمني، معتبراً أن معيار الفورية لم يتحقق. وحذّر وارنر من أن دمج أمن إسرائيل وأمن الولايات المتحدة بهذه الطريقة يضع واشنطن في « منطقة غير معروفة ». كما انتقد غياب استراتيجية واضحة في حال حدوث زعزعة داخلية في إيران، مشيراً إلى الغموض الذي يحيط بالأهداف الحقيقية لواشنطن.
« إسرائيل أولاً »
وكتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على منصة « إكس » الأميركية: « لقد اعترف السيد روبيو بما كنا نعرفه جميعاً: الولايات المتحدة دخلت حرباً اختيارية باسم إسرائيل ». وأكد أنه « لم يكن هناك أبداً أي تهديد إيراني »، معتبراً أن « الدم الأميركي والإيراني بات على أيدي أنصار خطّ “إسرائيل أولاً”، في إشارة إلى الداعمين للتيار المتشدد المؤيد لإسرائيل في واشنطن.
انقسام سياسي
أثار طرح روبيو ردود فعل داخل القاعدة المحافظة وفي الرأي العام. فبحسب استطلاع رويترز/إبسوس الصادر الأحد، لا يؤيد الهجوم سوى 27% من الأميركيين. واللافت أن الرفض يمتد إلى داخل المعسكر الرئاسي نفسه: 23% من الناخبين الجمهوريين يرون الآن أن دونالد ترامب « ميّال أكثر من اللازم » لاستخدام القوة العسكرية.
المعلّق تاكر كارلسون انتقد التدخل باعتباره خطوة قد تجرّ واشنطن إلى صراع إقليمي واسع، مبتعداً عن مبدأ « أميركا أولاً ». كما عبّرت النائبة مارجوري تايلور غرين عن تحفظات مماثلة، مؤكدة أن غالبية الناخبين الجمهوريين لا يريدون انخراط الولايات المتحدة في حرب جديدة في الشرق الأوسط.
الكونغرس والسؤال الدستوري
من المقرر أن ينظر الكونغرس في قرار يتعلق بصلاحيات الحرب، يقدّمه الجمهوري توماس ماسي والديمقراطي رو خانا. ويستند ماسي إلى نتائج الاستطلاعات لإقناع زملائه الجمهوريين بأن التصويت ضد التصعيد ليس خيانة لترامب، بل استجابة لقاعدتهم الانتخابية. تحدّد « لائحة صلاحيات الحرب » لعام 1973 الإطار القانوني الذي يقيّد قدرة الرئيس على إشراك القوات المسلحة في عمليات طويلة دون تفويض من الكونغرس. لكن النقاش يتجاوز الجانب الإجرائي ليصل إلى جوهر المسألة: ما هو الحدّ الذي يبرّر اللجوء إلى القوة؟ وهل يمكن للاعتماد على توقع ردّ غير مباشر أن يشكّل أساساً مستقلاً لشنّ حرب كبرى؟
تسلّط الجدل الضوء على مسألة الاستقلالية الاستراتيجية الأميركية. فاعتراف روبيو بأن واشنطن كانت تعلم أن إسرائيل ستضرب وأن إيران ستردّ، يوحي بأن القرار الأميركي اتبع جدولاً زمنياً لحليف، لا تهديداً مباشراً للولايات المتحدة. وهذه التطورات تفتح نقاشاً داخل المعسكر الرئاسي نفسه.

