B E R H G A M

T N E G R E M E

أحدث الأخبار

كتاب “يوميات رمضان” لأكرم بلقايد: الصيام بعد غزة في عالمٍ يحترق

سعيد جعفر 16 فبراير 2026
أكرم بلقايد: "لن أستطيع بعد اليوم أن أصوم من دون أن أفكر في شهداء غزة. رحمهم الله"

“الصوم بعد غزة”. وضع أكرم بلقايد فوراً في ديباجة كتابه الصادر بالفرنسية *”يوميات رمضان: رحلة حميمة إلى قلب الصوم” الكلمات الضرورية: “بالمقارنة مع عذاب غزة، فإن صيام رمضان، بجوه الاحتفالي والودود، ليس سوى نزهة صحية لطيفة… لن أستطيع بعد اليوم أن أصوم من دون أن أفكر في شهداء غزة. رحمهم الله”.

قد يكون الصيام تذكيراً — أخلاقياً أكثر منه جسدياً — بمن يعانون الجوع والعطش. لكن لا يوجد مجال للمقارنة. الجوع والعطش اللذان اختارهما الصائم طوعاً ولمدة محدودة، لا يمكن أن يُقارنا بـ”الجوع الحقيقي، المطلق، الذي لا ينتظر في نهايته مائدةً ممدودة، ولا شربة ساخنة، ولا لحماً مشوياً، ولا حلوى شهية (…) الجوع، الجوع الحقيقي، كابوسٌ أقصى، مطلق، يقود إلى الإنهاك، إلى الهزال، ثم إلى الموت. هذا ما عاناه أهل غزة لأشهر، وما يعانونه إلى اليوم… لن أستطيع بعد الآن أن أصوم من دون أن أفكر في شهداء غزة. رحمهم الله”

نبرة الكتاب تتحدد منذ الوهلة الأولى: كيف يصوم المرء وآخرون يموتون جوعاً؟ كيف نتحدث عن امتناعٍ اختياري فيما الجوع في مكان آخر ليس اختياراً ولا شعيرة، بل نتيجة حربٍ وحصارٍ ودمار؟ بلقايد لا يخلط بين المقامات. يصرّ، بهدوء وحياء، على الفارق الأخلاقي الهائل بين امتناعٍ روحيٍّ محدود الزمن، ينتهي كل مساء على مائدة الإفطار، وبين جوعٍ مفروضٍ على أناسٍ محاصرين في دائرة العنف.

 هذا التمهيد تذكيرٌ ضروري، للصائمين كما لغيرهم، وللقرّاء الذين أحبّوا “يوميات البْلِدارد” التي كان يكتبها بلقايد كل أسبوع، حيث لا يخلو الجِدّ من روح الدعابة، ولا تنفصل الدعابة عن عمق المعنى.

هذه اليوميات — نصيحتي — يستحسن أن تُقرأ على مهل، ويفضّل قبل الإفطار، كما نعبر الشهر نفسه: على مراحل، مع وقفات تأمل — مثلاً في الاستهلاك المفرط الذي يناقض المقصد الأصلي — ومع عودة إلى الذكريات الأولى، إلى طفولتنا و خطواتنا الأولى في الصيام.

كتاب “يوميات رمضان: رحلة حميمة إلى قلب الصوم” ليس مجرد تأمل في هذا الموعد الروحي الكبير، بل هو استكشاف شخصي وسوسيولوجي وسياسي في آن واحد. نلمح فيه عالماً مثقلاً بالشقوق والظلم والمحن الجماعية.

رفيق الصائمين… وغير الصائمين

عبر الفصول، يمزج بلقايد بين الذكريات والملاحظات والتحليل: ليلة الشك، الأسئلة الطريفة حول ما يُفطر وما لا يُفطر، مفارقات الاستهلاك، موائد تمتد من مسقط إلى مينيلمونتان، الشوربة، الزلابية، توتر اليوم الأول… كل ذلك يرسم صورة حيّة، رقيقة أحياناً، ساخرة أحياناً أخرى، لرمضان كما يُعاش فعلاً.

بلقايد يتحدث عن رمضان بطريقة تؤنسنه. قوة هذه اليوميات في إبراز التوتر الدائم بين روحانية رمضان ليس مجرد لحظة روحية، بل تتقاطع فيه السياسة، النقاشات حول الهوية، جدل الحضور الديني في الفضاء العام الأوروبي، مع وعي بالمآسي المعاصرة. يصبح الصيام فعلاً مزدوجاً: فردياً وجماعياً، دينياً ومدنياً. يستكشف الكاتب مفارقاته بخفة ذكية: بين الزهد واللذة، بين الباطن والمظهر، بين الصلاة والسوق، بين الصمت والجدل. ويبقى السؤال الذي طرحه في التمهيد حاضراً: ما قيمة امتناعٍ اختياري أمام حرمانٍ مفروض؟ ما قيمة رمضان من دون تضامنٍ مع أولئك الذين لا ينتهي جوعهم عند غروب الشمس؟

كتاب حساس، رصين، وإنساني بعمق. كتاب حساس، رصين، وإنساني بعمق. لمن يزور «البلد» ليقضي رمضان في حضن العائلة الكبيرة، هذا الكتاب هدية ثمينة تستحق أن تُقدم.. هو رفيق الصائم… ورفيق من لا يصوم أيضاً.