B E R H G A M

T N E G R E M E

أحدث الأخبار

من التضخم والانسداد الاقتصادي إلى الشارع: جذور الغضب الاجتماعي في إيران

أسامة نجيب 12 يناير 2026
وفقاً لمنظمة «حقوق الإنسان في إيران»، قُتل ما لا يقل عن 192 متظاهراً خلال أسبوعين من الاحتجاجات

تشهد إيران منذ نهاية عام 2025 موجة احتجاجات واسعة النطاق على مستوى البلاد، اتسمت في كثير من الأحيان بالعنف، وامتدت إلى أكثر من مئة مدينة وقرية، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى وآلاف المعتقلين. ووفقاً لمنظمة «حقوق الإنسان في إيران» (Iran Human Rights)، قُتل ما لا يقل عن 192 متظاهراً خلال أسبوعين من الاحتجاجات.

وفي المقابل، اتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الولايات المتحدة وإسرائيل بـ«تجنيد وتدريب بعض الأشخاص، في الداخل والخارج (…) وإدخال إرهابيين من الخارج»، معتبراً أنهم «يسعون إلى تفاقم الاضطرابات».

لكن، بعيداً عن هذه العوامل السياسية الخارجية ـ من تدخلات و عقوبات ـ يتغذّى تآكل الدعم الداخلي للنظام من أزمة اجتماعية كبرى، في ظل اقتصاد بلغ طريقاً مسدوداً. ولا يقتصر الغضب الشعبي على الاحتجاج السياسي، بل يتجذر بعمق في أزمة اقتصادية هيكلية. فقد أدى انخفاض قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم، وركود النمو، وتراجع القدرة الشرائية، إلى تفاقم الضغوط على الطبقات الشعبية والأسر التي خرجت حديثاً من خط الفقر، والتي باتت ترى مستوى معيشتها يتدهور بسرعة.

وفي هذا السياق، تعرّضت البلاد لضربات استهدفت مواقع حساسة، نُفذت خارج أي تفويض من الأمم المتحدة وبما يتعارض مع القانون الدولي، ما زاد من الضبابية الاقتصادية والاجتماعية وأضعف ثقة المستثمرين والمواطنين.

اقتصاد هشّ معتمد على النفط

واجه الاقتصاد الإيراني، بعدما تمكن لفترة طويلة من التكيف مع العقوبات، حالة انسداد واضحة في السنوات الأخيرة. ووفقاً للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، فيما يُتوقع أن يظل ضعيفاً خلال عام 2026. ولا تزال البلاد تعتمد بشكل كبير على العائدات النفطية التي تموّل الدولة وتدعم العملة الوطنية. ورغم أن إيران تبيع جزءاً كبيراً من نفطها إلى الصين، فإن هذه الإيرادات لا تكفي لتغطية الاحتياجات الميزانيّتية المتزايدة.

وفي الوقت نفسه، انهار الريال الإيراني، إذ فقد ما يقرب من 75 في المئة من قيمته خلال عام واحد، بينما تجاوز معدل التضخم السنوي 40 في المئة، ما انعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية. كما بقيت البطالة عند مستويات مرتفعة، مقتربة من 10 في المئة، ومؤثرة بشكل خاص على الشباب وسكان المناطق الحضرية.

التقشف والأزمات الهيكلية

سعت الحكومة إلى احتواء عجز الموازنة ومحاولة استقرار سعر صرف الريال من خلال تطبيق سياسة تقشفية جمعت بين زيادة الضرائب وخفض الإنفاق العام. وقد قيّدت هذه الاستراتيجية الاستهلاك وساهمت في تدهور الظروف المعيشية لشريحة واسعة من السكان. وإلى جانب ذلك، تفاقمت أزمات هيكلية مزمنة، من بينها نقص الكهرباء، والإجهاد المائي المرتبط بالجفاف، وتهالك البنية التحتية، وضعف القدرات الصناعية. وأدت هذه العوامل مجتمعة إلى تعميق السخط الاجتماعي وتوسيع دائرة الإحباط، في ظل غياب آفاق اقتصادية واضحة.

احتجاجات متجذّرة في الواقع الاقتصادي

رغم أن الحركة الاحتجاجية غالباً ما تُفسَّر على أنها سياسية الطابع، فإنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الحقيقي. فقد احتج السكان على فقدان القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، وتراجع المساعدات، وارتفاع معدلات البطالة. كما شهد الشباب والطبقات الشعبية، الذين خرجوا حديثاً من الفقر بفضل برامج التحفيز السابقة، تدهوراً سريعاً في أوضاعهم المعيشية، ما ساهم في تغذية الغضب الاجتماعي.

وفي هذا الإطار، تعكس الاحتجاجات استياءً واسعاً يمزج بين المطالب الاقتصادية والانتقادات للنظام السياسي، ويتجاوز بكثير الإطار المالي البحت. وقد أكد حزب «توده» (الشيوعي) – وهو طرف لا يمكن الاشتباه في تحالفه مع الولايات المتحدة – في بيان صدر في 30 ديسمبر، أن «الاحتجاجات الشعبية الواسعة تشكل بداية جديدة لتحدي الاستبداد الديني الرأسمالي، ولتحرير الوطن من العوز والفقر والفساد ومن نظام الجمهورية الإسلامية المعادي للشعب».

وفي المقابل، بدت إجراءات التهدئة التي أعلنها الرئيس مسعود بزشكيان، مثل رفع رواتب الموظفين ومعاشات التقاعد، غير كافية لمعالجة الاختلالات الهيكلية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني