B E R H G A M

T N E G R E M E

أحدث الأخبار

من تين زاوتين إلى نيامي وغاو: حدود تقتل اقتصاد شعوب الصحراء

أ.خالد - س. بودور 11 مارس 2026
منذ آلاف السنين، لم تعرف شعوب الصحراء حدوداً، إذ يقوم نمط عيشها على الترحال وحرية التنقل. (الصورة: DR)

بأكثر من 6,700 كيلومتر من الحدود البرية، تواجه الجزائر في أقصى جنوبها معضلة لا يمكن لأي قرار عسكري أن يحسمها بمفرده: كيف يمكن تأمين إقليم دون إضعاف المجتمعات التي تمنحه أسباب الحياة؟

محمد، البالغ من العمر 28 عاماً، يعمل سائق شاحنات في تين زواتين، إحدى أبعد المناطق الجزائرية، الواقعة في أقصى جنوب البلاد على بعد كيلومترات قليلة من مالي. خلال مسيرته المهنية، كان يعبر مراراً الحدود الجزائرية-المالية لنقل البضائع إلى شمال مالي. غير أنه منذ استيلاء العسكريين على السلطة في باماكو وتصاعد عمليات القصف، لا سيما في منطقة غاو، انهار نشاطه بشكل حاد. ويقول: «نحن نعيش هنا في وفرة نسبية، لكن النصف الآخر من العائلة والأقارب في مالي تضرروا بشدة».

تلخص هذه الرواية، أكثر من أي إحصائية، الشرخ الذي تعيشه المجتمعات الحدودية في أقصى الجنوب الجزائري. فمن جهة، تسعى الدولة إلى تأمين أطرافها في مواجهة حالة عدم الاستقرار المزمنة في منطقة الساحل. ومن جهة أخرى، توجد مجتمعات قبلية تتجاوز روابط الدم والتجارة والثقافة فيها الحدود منذ قرون، وتتحمل تبعات كل تشديد أمني بصورة مباشرة.

 6,734   كيلومتراً… حدود لم تكن قائمة في الوعي الجمعي

تملك الجزائر أطول حدود برية في إفريقيا. فامتدادها البالغ 6,734 كيلومتراً يربطها بسبع دول مجاورة، من بينها مالي (1,376 كم)، ليبيا (989 كم) والنيجر (956 كم) — وهي حدود شديدة الحساسية منذ انهيار ليبيا عام 2011 والتدهور التدريجي للأوضاع في الساحل.

غير أن هذه الخطوط التي رسمتها الدول الحديثة تتداخل ميدانياً مع نسيج اجتماعي واقتصادي أقدم بكثير، لم يعترف يوماً بفواصل جامدة. فالطوارق — «إيموهاغ» بلغتهم — ينتشرون في الهقار والطاسيلي بالجزائر كما في أزواد بمالي وآيِر بالنيجر. أما قبائل الزاوية العربية، مثل قبيلة كنتة، فقد لعبت عبر أجيال دور الوساطة الاجتماعية والدينية العابر للحدود، ولا يزال بعض أعيانها يشغلون مقاعد في البرلمان الجزائري.

وتظل الزيجات العابرة للحدود بين الجزائر ومالي والنيجر وحتى موريتانيا جنوب غرباً أمراً شائعاً. وهكذا تتحول كل أزمة دبلوماسية إلى عبء اجتماعي مباشر على عائلات موزعة على جانبي خط إداري. كما يشكل الجنوب الجزائري فسيفساء لغوية نادرة؛ إذ تُتداول فيه العربية والتماشق، إلى جانب لغات مهددة مثل الكورانجي — وهي مزيج من العربية والأمازيغية والسونغاي — فضلاً عن لهجات الهوسا والفولانية التي تحملها المجتمعات الحدودية وحركات الهجرة.

التهريب: “اقتصاد بقاء لا خيار”

في هذا السياق، لا تُعد الحركة عبر الحدود ترفاً، بل شرطاً من شروط البقاء. فبالنسبة لشباب المناطق النائية مثل تين زواتين، غالباً ما لا يوجد أفق آخر سوى الاندماج في شبكات «التهريب» — وهو نشاط يشير إلى تمرير السلع عبر الحدود خارج الأطر الرسمية.

ويشير رؤوف فراح، الباحث في الجيوسياسة في مجلة «جدلية»، إلى أن «التهريب يتمثل عملياً في تصدير منتجات جزائرية أساسية — غالباً مدعومة — إلى مالي، مثل السميد والمعكرونة والوقود والإلكترونيات. إن فارق الأسعار بين البلدين يجعل هذه التدفقات مربحة للفاعلين المحليين، لكنها أيضاً حيوية للمدن المالية المجاورة مثل تيساليت وكيدال». ويؤكد الصحفي المتخصص في قضايا الدفاع أكرم خريف أن «شمال مالي، المنفصل عن الممرات اللوجستية في باماكو، يعتمد على الجزائر في معيشته أكثر من اعتماده على عاصمته».

ويكفي رقم واحد لقياس حجم الظاهرة: فبحسب بيانات الديوان الوطني للإحصائيات (2018-2023)، تقل الصادرات الجزائرية إلى مالي والنيجر عن مليوني دولار سنوياً. غير أن هذا الرقم يخفي اقتصاداً موازياً منظماً تديره شبكات طوارقية تاريخية، وإن كان حجم معاملاتها الفعلية قد تراجع إلى الثلث منذ عام 2011.

شبكات وآليات الاتجار بوثائق الهوية

أفاد شهود تواصلت معهم «مغرب إيمرجنت» بأن «نيجريين وتشاديين وسودانيين يدفعون مبالغ مالية للحصول على الجنسية الجزائرية بمساعدة سكان المنطقة». ويوضح أحدهم: «يقوم جزائريون بتسجيلك كأحد أبنائهم، مولوداً في الصحراء. أنا على علم بهذه الممارسات منذ 2006، لكن مؤخراً قيل لي إن الأمر لا يقتصر على النيجريين والماليين الذين لديهم أقارب جزائريون، بل يستفيد منه التشاديون أيضاً». ويضيف: «لدي أقارب هناك يحملون هذه الوثائق التي تم دفع مقابلها».

تبلغ كلفة الحصول على الجنسية الجزائرية 600 ألف فرنك إفريقي (حوالي ألف يورو) بالنسبة للنيجريين أو الماليين الذين لديهم أقارب جزائريون، بينما يدفع التشاديون مليون فرنك إفريقي (حوالي 1,500 يورو) لعدم توفر شبكة محلية داعمة.

وترتبط إشكالية الولوج إلى الجنسية في المناطق الحدودية جنوب الجزائر بالإرث المعقد للترسيم الاستعماري للحدود، الذي أدى إلى تفتيت مجتمعات بدوية، على غرار القبائل الطوارقية، التي تتجاوز أنماط عيشها وهياكلها الاجتماعية الحدود الوطنية. ويعوق ذلك تسوية الأوضاع الإدارية للعديد من الأسر، ويعقّد إثبات الانتماء الوطني، في ظل رفض بعض الأفراد الانخراط في دولتي مالي أو النيجر.

وبالتوازي، شهد مسار اكتساب الجنسية انحرافات ممنهجة تشمل شبكات تنسيق عابرة للحدود بين مالي والنيجر وموريتانيا. ووفق مصدر داخلي، باتت عملية التجنيس تتعرض لممارسات فساد يشارك فيها وسطاء إداريون وقضاة يسهلون تسجيلات احتيالية، غالباً تحت غطاء روابط عائلية مزعومة مع رعايا من إفريقيا جنوب الصحراء. وأدت هذه الضبابية الهيكلية إلى طمس الفارق بين المستحقين الشرعيين والمستفيدين من ممارسات غير قانونية.

عندما تؤدي العسكرة إلى أزمات إنسانية

أدت العسكرة التدريجية للحدود منذ عام 2011، ثم التوترات الدبلوماسية الأخيرة بين الجزائر وباماكو، إلى خنق هذه المبادلات مع آثار فورية وقاسية. فقد أفضت عمليات الحصار حول مدن مثل غاو وتمبكتو إلى تعليق الجزائر صادراتها مؤقتاً، وكانت النتيجة واضحة.

ويؤكد أكرم خريف ، صحافي جزائري متخصص في الشؤون الأمنية، أن «غياب السلع تسبب في كارثة إنسانية وغذائية حقيقية»، وهو وضع بلغ من الخطورة حد دفع الجزائر إلى استئناف التدفقات لتفادي الأسوأ. وهو ما يعكس درجة الترابط العميق بين هذين الفضاءين: فلا يمكن إغلاق منافذ الإمداد دون أن تدفع المجتمعات المحلية الثمن.

بالنسبة للعائلات الحدودية، يتخذ الانقطاع بعداً شخصياً أشد وطأة؛ إذ يقوض شبكات التضامن التقليدية، ويهدد توازنات اقتصادية بُنيت عبر أجيال، ويحوّل كل قرار سياسي يُتخذ في الجزائر أو في باماكو إلى أزمة يومية داخل الأسر.

التهديد الذي يغيّر المعادلة: تعميم الشبهة

أمام هشاشة الوضع في الساحل، ما تزال تقاليد الضيافة الصحراوية قائمة، لكنها بدأت تتآكل. فقبائل الحدود تواصل التعامل بإنسانية مع المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء — عبر توفير الماء والإرشاد والحماية. غير أن تسلل عناصر إرهابية تسعى إلى الاندماج في النسيج القبلي غيّر المعادلة الاجتماعية بصورة عميقة.

ويحذر موسى، وهو مهاجر يقيم حالياً في وهران غرب البلاد، عمل لعشر سنوات على الطرق العابرة للحدود بين مالي والجزائر، قائلاً: «هذا يضع الجميع تحت دائرة الشك». وقد برر هذا الواقع، في نظر السلطات الجزائرية، تعزيز الانتشار العسكري، بما قيد بشكل صارم حرية التنقل — بما في ذلك حرية السكان المحليين الذين لا صلة لهم بالشبكات المسلحة.

سؤال وجودي بلا إجابة سهلة

تجد هذه المجتمعات الحدودية نفسها اليوم في وضع ضاغط، عالقة بين دولة مركزية تسعى إلى تحصين نفسها من الشبكات الإرهابية الناشطة في المنطقة وضمان أمنها، وبين بيئة إقليمية غير مستقرة لا تلوح فيها مؤشرات تهدئة. وتواجه بذلك سؤالاً لا يبدو أن الجزائر أو عواصم الساحل مستعدة لطرحه علناً: هل يمكن تأمين الحدود دون زعزعة أمن المجتمع الذي يقوم عليه اقتصادها؟ وكما لخّص مصدر محلي قائلاً: «الحدود الإدارية لا يمكنها إلغاء الوحدة الاجتماعية والاقتصادية». ويبقى السؤال ما إذا كانت دول المنطقة قد أدركت حجم التحدي — قبل فوات الأوان.