في نوفمبر 2025 ، عُرضت الخطة الأميركية الخاصة بغزة على مجلس الأمن الدولي في خضم الحرب. الجزائر صوّتت بـ«نعم»، وممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة، عمار بن جامع، شكر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على المبادرة، مع التشديد على ضرورة احترام القانون الدولي وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
غير أن هذا التصويت، وما رافقه من خطاب دبلوماسي إيجابي، لم يترجم إلى دعوة سياسية. فعندما انتقلت واشنطن من مرحلة القرار الأممي إلى محاولة بناء “اتفاق سلام” وشبكة داعمين إقليميين، وجهت الدعوة للمغرب ومصر ، وبقيت الجزائر خارج المشهد. هذا الإقصاء لم يكن تقنياً، بل سياسي بامتياز، أربعة أسباب قد تُفسر موقف ترامب من الجزائر وفهمهه لـمعنى “السلام”.

تصويت لإدارة اللحظة… لا للانخراط في المشروع
في مجلس الأمن، تتحرك الدول وفق منطق احتواء الأزمات لا وفق منطق الاصطفاف الاستراتيجي. تصويت الجزائر كان موجهاً لتخفيف الكارثة الإنسانية في غزة، لا لتبنّي الرؤية الأميركية طويلة المدى. واشنطن تفصل بوضوح بين من يساعدها على تمرير قرار، ومن يقبل أن يكون شريكاً في مشروع سلام بشروطها.
شكر بن جامع لا يعني تفويضاً سياسياً
تصريح ممثل الجزائر الذي شكر ترامب كان تعبيراً دبلوماسياً محسوباً، لا انحيازاً سياسياً. فالتصريح نفسه ربط أي حل بالشرعية الدولية، وهو ما يتناقض مع مقاربة ترامب التي اعتادت تجاوز الأمم المتحدة عندما تعرقل أهدافه. واشنطن قرأت الرسالة جيداً: الجزائر داعمة للقرار، لا للمسار. لكن تصريح الرئيس عبد المجيد تبون حسم وضع الموقف الجزائري في صيغة لا تحتمل التأويل حين قال: “سنطبع عندما تكتمل عضوية فلسطين كدولة في هيئة الأمم المتحدة”.
هذا التصريح لا يترك مجالاً للغموض. فهو يربط أي حديث عن التطبيع بشرط سيادي دولي واضح، بينما تقوم رؤية ترامب للسلام على قلب المعادلة: التطبيع أولاً، ثم إدارة الصراع لاحقاً. في هذه النقطة تحديداً، يصبح إشراك الجزائر مستحيلاً.
سلام ترامب: نفوذ لا شرعية
اتفاقات ترامب لا تُبنى على المواقف المبدئية أو التاريخية، بل على النفوذ المباشر: من يضغط على إسرائيل؟ من يملك قنوات مع الفاعلين في غزة؟ من يستطيع فرض التزامات؟ الجزائر تملك وزناً أخلاقياً وسياسياً، لكنها لا تملك أدوات الضغط التي يبحث عنها ترامب. في منطقه، هذا يجعلها صوتاً محترماً… لكنه غير حاسم.
استقلالية الجزائر عبء في حسابات واشنطن
الجزائر لغاية اليوم، ليست دولة تابعة للمحور الأميركي، ولا تقبل أدواراً ثانوية في مشاريع صيغت سلفاً. هذه الاستقلالية المُكلفة ، التي تُعد نقطة “قوة” في خطابها الداخلي والدولي، تُعد في نظر إدارة ترامب عامل إزعاج. لذلك فضّلت واشنطن شركاء أكثر مرونة سياسياً، حتى وإن كانوا أقل وزناً.
الجزائر لم تُستبعد لأنها عارضت خطة ترامب، بل لأنها رفضت أن تتحول الموافقة التكتيكية في مجلس الأمن إلى شيك سياسي على بياض. بين «نعم» إنسانية لوقف النار، و«لا» سياسية للتطبيع قبل الدولة الفلسطينية، اختارت الجزائر موقعها بوضوح. وهذا الموقع، تحديداً، هو ما جعلها خارج دعوات “اتفاق السلام”.

