B E R H G A M

T N E G R E M E

أحدث الأخبار

الجزائر: خمسة أسباب لعدم الخوف كثيرًا من دونالد ترامب

إحسان القاضي 16 يناير 2026

تتداول في الأسابيع الأخيرة نغمة على مواقع التواصل مفادها أن الجزائر قد تصبح «الهدف القادم» لدونالد ترامب بعد فنزويلا وغرينلاند وإيران. تلقى هذه القراءة المتشائمة صدى لأنها تساير الأجواء السائدة حاليًا: أميركا أكثر قسوة ورئيس يعطي انطباعًا بأنه يتصرف دون قيود.

لكن عند النظر عن كثب، يظهر أن فكرة وجود الجزائر «على القائمة» لا تستند إلى أسس جادة، إذ تخلط بين المواقف والملفات المحددة وعلاقات القوة الحقيقية. وفيما يلي خمسة حجج تساعد على تخفيف حدة المخاوف، من دون إنكار احتمال تعرّض الجزائر لضغوط معينة ما دام ترامب في البيت الأبيض.

1- الجزائر لا تُصنَّف خصمًا أيديولوجيًا لواشنطن

الاختلاف الرئيسي الأول أن الجزائر ما بعد بومدين لا تقدم نفسها كقوة ثورية مناهضة لأميركا، بالمعنى الذي كانت عليه، كلٌّ بطريقتها، الثورة الإسلامية في إيران أو الثورة البوليفارية في فنزويلا. برنامجها الدبلوماسي أكثر براغماتية، قائم على التوازنات وعدم الانحياز المعلن والتفاوض.

بعبارة أخرى، ليست الجزائر «العدو الضروري» الذي يسمح لواشنطن بصياغة خطاب مبسّط من نوع: الخير ضد الشر، والديمقراطية ضد اللاديمقراطية. في هذا النوع من الروايات يصعب إدراج الجزائر.

ويجب أيضًا التمييز بين المصلحة العاطفية والمصلحة الاستراتيجية. تجمع غرينلاند، على سبيل المثال، بين قضايا القطب الشمالي والقضايا العسكرية والموارد في منطقة تنافسية هيكلية. أما الجزائر فتكمن أهميتها في الطاقة والساحل والبحر الأبيض المتوسط والاستقرار الإقليمي، وهي أهمية تستدعي في الغالب علاقة تسيير لا علاقة تصادمية.

2- الجزائر تتجنب التصعيد مع الإدارة الأميركية

الحجة الثانية: سواء أعجبنا النهج المتبع أم لا، وكثيرون يأسفون لذلك، فإن السلطة الجزائرية كررت إشاراتها الحذرة تجاه إدارة ترامب. ففيما يتعلق بقضية غزة، تجنبت الجزائر تحويل الخلاف إلى مواجهة مباشرة، واتخذت في النهاية موقفًا متساهلًا تجاه خطة ترامب للسلام.

وفي ما يخص الصحراء الغربية، وهي قضية استراتيجية في العقيدة الجزائرية، لم تسع الجزائر في الأشهر الأخيرة إلى إثارة مواجهة دبلوماسية مباشرة مع واشنطن، عندما تجنبت، على سبيل المثال، التصويت ضد القرار المستوحى من الولايات المتحدة والذي يُنظر إليه على أنه موالٍ للمغرب.

وأخيرًا، على الصعيد الاقتصادي، لم يتخذ رد الجزائر على الرسوم الجمركية الأميركية التي عُدّت شديدة (30٪) طابعًا تصعيديًا. لم تكن هناك حملة انتقامية متناظرة ولا قطيعة سياسية، بل تسيير «بارد»، كما لو أن الجزائر أرادت تجنب أن تصبح التجارة عاملًا مثيرًا لخلاف دبلوماسي.

لا يضمن هذا الخيار «الحماية»، لكنه يقلل من احتمال حدوث مواجهة محسوبة. ففي السياسة الخارجية غالبًا ما ينشأ التصعيد من سلسلة من الأحداث: مزايدات لفظية، ثم عقوبات وردود فعل، ثم تشدد. وتتمحور استراتيجية الجزائر الأخيرة تجاه ترامب حول تجنب هذه السلسلة وإبقاء أبواب الحوار مفتوحة.

3- يمكن الحصول على الموارد عن طريق العقود، لا عن طريق الأزمات

السبب الثالث، الذي غالبًا ما يُنسى: إذا كان هوس ترامب هو «تأمين» موارد معينة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة «الإطاحة» بالأنظمة. على العكس، ربما تكون السلسلة الأكثر دلالة هي تسريع المناقشات بين الجزائر والشركات الأميركية الكبرى. يُشار بانتظام إلى شركتي أكسون موبيل وشيفرون على أنهما منخرطتان في مفاوضات متقدمة حول الطاقة غير التقليدية بهدف هيكلة إطار لاستغلال الغاز الصخري.

تشير هذه الديناميكية إلى منطق قائم على المعاملات: تأمين الوصول إلى الأحجام والمشاريع بواسطة العقود والهندسة والتمويل بدلًا من المواجهة السياسية. في هذا النموذج يصبح الاستقرار المؤسسي والوضوح التنظيمي المعركة الحقيقية، لا تغيير النظام.

وهذا ما يجعل الجزائر أقل «إغراءً» لسيناريو المواجهة. فهناك مسار تفاوضي قائم. والاتفاقيات والشراكات والوصول إلى كتل التعدين والهندسة والخدمات والتكنولوجيا يمكن تحقيقها عبر السوق والدبلوماسية. حتى في عالم قاسٍ، غالبًا ما يكون الخيار الأكثر عقلانية لواشنطن هو تأمين المصالح عبر الصفقات بدل اللجوء إلى أزمة مفتوحة.

4- الجزائر تملك عناصر تماسك

تراهن بعض الخطابات على تصوير الجزائر كبلد هش قابل للضغط السريع، غير أن الواقع أكثر تعقيدًا. فلا تعيش الجزائر وضعًا شبيهًا بفنزويلا الخاضعة لعقوبات شديدة أو إيران الخاضعة لضغوط قصوى اقتصاديًا وماليًا ومؤسسيًا.

وعلى الرغم من الجراح السياسية التي خلفتها سنوات الحراك والريبة المستمرة بين الدولة والمجتمع، لا تزال الجزائر تتمتع بمصادر تماسك، منها خيال وطني قوي، وتوافق نسبي حول الدولة الاجتماعية، وقبل كل شيء عائدات الطاقة التي، حتى في ظل التوترات، توفر لها سندًا.

ولا يعني ذلك إنكار نقاط الضعف. فالنموذج التوزيعي يمر بأزمة، والعلاقة مع التمثيل السياسي لا تزال متوترة، ويساور الشباب شك عميق، لكن بنية الدولة تبقى متماسكة. وبالنسبة لقوة خارجية، غالبًا ما تستهدف الإجراءات القسرية المناطق التي تعاني من انهيار أو قطيعة تامة، والجزائر لا تندرج في هذه الفئة

5- قد ينشغل ترامب بمعاركه الداخلية

السبب الخامس يرتبط بقيود السياسة الداخلية الأميركية. فكلما زادت المعارضة للرئيس اضطر إلى اختيار معاركه. وقد تميل رئاسة مهددة في منتصف ولايتها إلى استعراض قوتها، لكنها قد تنشغل أيضًا بالأجندة الداخلية: التضخم، والشغل، والأمن، والصراعات المؤسسية، والعلاقات المتوترة مع السلطات المعارضة. وإذا تأكدت فرضية وجود كونغرس أكثر عدائية في نوفمبر 2026، فقد تتركز الطاقة السياسية للبيت الأبيض على البقاء الداخلي بدل فتح جبهات جديدة.

يبقى أن القدرة على إلحاق الضرر قائمة، لكن القدرة على شن «حملة كبرى» مستمرة ضد دولة بحجم الجزائر أمر مختلف. يفترض الخوف العالمي هيمنة أميركية مطلقة، لكن الواقع هو دورات وأزمات داخلية ونوافذ اهتمام تُغلق سريعًا.

كما توجد ضغوط ممكنة دون الوصول إلى «الإطاحة» بالنظام. لدى واشنطن أدوات متكررة وأحيانًا أكثر فعالية: الإكراه المحدد. الرسوم الجمركية، القيود المالية، العقوبات الموجهة، العزلة الدبلوماسية، والضغط على الشركاء. وفي حالة الجزائر يبقى مِلَفّ الصحراء الغربية المثال الأبرز على قضية محفزة. وقد يؤدي تشديد الموقف الأميركي واصطفاف أوضح مع الرباط إلى خلق توتر، حتى لو لم تكن الجزائر «هدفًا ذا أولوية» بالمعنى الدقيق.

بعبارة أخرى: لا داعي للذعر الاستراتيجي، لكن الحذر يبقى منطقيًا. ما دام ترامب رئيسًا، فالحذر مطلوب، أما الخوف المطلق فليس كذلك.