B E R H G A M

T N E G R E M E

أحدث الأخبار

كيف وقعت الجزائر في فخ استرضاء دونالد ترامب

إحسان القاضي 2 مارس 2026

أثار هذا العمود أكثر من مرة تساؤلات حول المسار الذي تسلكه الجزائر الرسمية وهي تداهن إدارة ترامب في الاتجاه الذي تريده، منذ عودة هذا الأخير إلى البيت الأبيض في جانفي 2025.

ومع غياب إدانة صريحة وواضحة من الجزائر للعدوان الأمريكي-الإسرائيلي المشترك على إيران، دخل خيار “الملاينة” تجاه الملياردير العنصري الأبيض الذي يقود الولايات المتحدة في مأزق دبلوماسي وعملياتي مقلق.

أبدت الجزائر أسفها لاختطاف صديقها نيكولاس مادورو دون أن تدين فعل الرئيس ترامب الذي ينتهك القانون الدولي بشكل فادح. ولم تعترض على قرار مجلس الأمن الأممي الصادر في 31 أكتوبر الماضي، الذي روّج للخطة المغربية للحكم الذاتي الموسّع في الصحراء الغربية على حساب حل الاستفتاء لتقرير المصير المدافَع عنه منذ قرابة نصف قرن. كما أنها لم تمتنع عن التصويت لصالح خطة لتسوية حرب الإبادة على غزة، المعترَف بها اليوم على نطاق واسع بأنها تصبّ في صالح المحتل الإسرائيلي.

بالطبع، حاولت وزارة أحمد عطاف في كل مرة تقديم تفسيرات آنية لكل محطة في سياق ما يُعرف عالمياً بوصفه أجندة دونالد ترامب: كضرورة وقف معاناة أهل غزة عبر وقف إطلاق النار، والحفاظ على “المينورسو” والإشارة إلى حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. غير أن الحصيلة النهائية تبقى تخلياً حقيقياً، في غضون عام واحد، عن جزء كبير مما بنى الهوية السياسية للجزائر في نظر العالم. وهو أمر يستحق النقاش.

التفسير بالعزلة المزعومة غير كافٍ

ثمة تفسيرات متعددة يمكن أن تتقاطع لتفسير هذا التحوّل المدهش في موقف الجزائر الرسمية. فالجيوسياسة التاريخية التي كانت تنتمي إليها ضعفت كثيراً خلال نصف قرن — سقوط الاتحاد السوفيتي، الربيع العربي، الهيمنة الإقليمية لإسرائيل، وذوبان “العالم الثالث” السياسي في “الجنوب العالمي” الاقتصادي. وتبدو إيران من هذه الزاوية واحدة من آخر الدول التي لم تُجرِ تحديثاً استراتيجياً يأخذ بعين الاعتبار هذا التدهور في موازين القوى

لكن هذا التفسير القائم على عزلة سياسية مزعومة غير كافٍ. حكومات اليسار في أمريكا اللاتينية تنتقد وتقاوم مساعي إدارة ترامب لتحويلها إلى دول تابعة، لا سيما فيما يخص أجندة فنزويلا-كوبا-قناة بنما. وجنوب أفريقيا، الحليف الدبلوماسي الأقرب إلى الجزائر، أدانت بصرامة الهجوم على إيران.
وإن لم نكن بعد في سياق عام 1977 مع جبهة الصمود والتصدي الرافضة للتطبيع الذي أقدمت عليه مصر السادات مع إسرائيل، فإن الوسطاء الدبلوماسيين كثيرون في العالم — وحتى في أوروبا المهددة بالأطماع في غرينلاند — لدعم إدانة واضحة للعدوان الأمريكي-الإسرائيلي، بما يتوافق مع التقليد الدبلوماسي للجزائر وقيمها السياسية.

دونالد ترامب ليس جيورجيا ميلوني

ولا تزال الجزائر تملك هامشاً واسعاً من المناورة من أجل دبلوماسية أكثر انسجاماً مع قيمها المناهضة للاستعمار والإمبريالية. كيف نفسر إذن هذا التخبط الجاري إزاء الإدارة الأمريكية الأكثر عدوانية والأشد عداءً لما تجسّده الجزائر منذ أول نوفمبر 1954؟ يسعى الرئيس تبون لأن يكون مروّجاً لمقاربة غير أيديولوجية في العلاقات الدولية، وهي انعكاس خارجي لعقيدته “اللاسياسية” الداخلية؛ إذ أكد في فبراير 2023 أن “عدوي الوحيد هو التخلف”. وهي مقاربة تكنوقراطية تُفضل البراغماتية على الأيديولوجيا.

وقد أعطت هذه المقاربة نتيجة مقبولة نسبياً في حالة العلاقة مع إيطاليا جيورجيا ميلوني، التي يزعم حزبها “إخوة إيطاليا” المنتسب إلى أقصى اليمين وراثة الحركة الاجتماعية الإيطالية (MSI) الموسولينية مع الادعاء بتجاوز الفاشية. فقد برّرت كثافة العلاقات الاقتصادية بين البلدين التغاضي عن الطابع العنصري والمعادي للأجانب لدى الناخب الإيطالي الداعم لميلوني وأيديولوجيتها.

غير أن المقاربة ذاتها لا يمكن بطبيعة الحال تطبيقها في سيناريو مماثل بفرنسا ووصول حزب التجمع الوطني المرتقب إلى الإليزيه — بارديلا أو، أسوأ من ذلك، لوبان. فالأمر لم يعد يتعلق بخلاف أيديولوجي، بل بخلافات تاريخية نشطة حتى قبل موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية في ربيع 2027. إن المقاربة الأيديولوجية للعلاقات الدولية — حيث لا يكون شركاؤنا سوى من يشاركوننا القيم والأفكار — ضارة بالقدر ذاته كنقيضها، وهي المقاربة البراغماتية المجرّدة من المعنى السياسي — حيث يمكن للجميع أن يكونوا أصدقاءنا إذا تقاطعنا في مصالح اقتصادية مشتركة.

حدود هذه المقاربة صارت مكشوفة اليوم من خلال المأزق الدبلوماسي الذي يجعل الجزائر صامتة أمام دونالد ترامب، الذي يشن هجمة مميتة على القانون الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية — ذلك القانون الذي أعطى الأساس القانوني لاستقلال الجزائر.

هل حذّر المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة من هذا الخطر؟

أخطأت الجزائر الرسمية في تقدير المسار الدولي للولاية الثانية لترامب، رغم أن ملامحها كانت واضحة إلى حدٍّ بعيد في حملة “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (MAGA) في عام 2024. لنضع جانباً تمثيله الأيديولوجي للعالم، وكراهيته للأجانب، وسياسته المهينة في الهجرة، ونفوره من الشعوب “البربرية”.

تحتاج الجزائر إلى سعر مربح للنفط والغاز، فيما يريد ترامب خفض هذه الأسعار. وتحتاج الجزائر إلى حماية حصتها في سوق الغاز الطبيعي الأوروبي، في حين أن ترامب، المؤيد للحفر المكثف، هو منافسها الأول بالغاز الصخري. وتحتاج الجزائر إلى تصريف صادراتها المتنامية خارج المحروقات، فيما يحصر ترامب التجارة العالمية في حمائية مفرطة وركودية. وتدافع الجزائر عن الحقوق الوجودية للفلسطينيين والصحراويين في تقرير المصير، فيما يدعم ترامب بنشاط القوى المحتلة، ويهدد — في مسألة المغرب واتفاقيات أبراهام — التوازنَ الأمني في المغرب الكبير.

تربط الجزائر مصالح مشتركة مع فنزويلا وإيران على الأقل في سياسة أسعار “أوبك”، وتاريخياً مع كوبا؛ فيما يُحرّم ترامب العلاقات التجارية مع هذه الدول، في انتظار أخرى. فهل أودع المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة (INESG)، الذي “يفكّر” كثيراً في مسائل الأمن، مذكرة لدى قصر المرادية للتحذير من مخاطر عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وهو خطر واضح على مصالح الجزائر؟*

فما هي إذن تلك المصلحة الاقتصادية العليا التي تبرر التعامل بكل هذا اللين مع إدارة أمريكية ورئيس أشد خطورة من ريتشارد نيكسون في أسوأ مراحل قصف فيتنام؟ “ضرورة” استغلال حقول الغاز الصخري لتفادي تراجع الغاز التقليدي في السنوات القادمة هي التي تملي هذا التوجه. لقد قطع نظام هواري بومدين العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة إثر حرب جوان 1967، ثم تعامل اقتصادياً مع الجمهوريين في واشنطن؛ لقد كان براغماتياً وأيديولوجياً في آنٍ واحد.