B E R H G A M

T N E G R E M E

أحدث الأخبار

343 مليون دولار واردات مسحوق الحليب إلى الجزائر… دعوة لبعث الانتاج المحلي

إبراهيم غانم 15 مارس 2026

يشهد قطاع الألبان في الجزائر تحولاً اقتصادياً واضحاً يعكس توجهاً جديداً نحو تقليص التبعية للاستيراد وبناء قاعدة إنتاج وطني قادرة على دعم الأمن الغذائي. ويأتي هذا التحول في سياق سياسات عمومية تستهدف إعادة تنظيم سوق الحليب، الذي ظل لسنوات طويلة مرتبطاً بواردات مسحوق الحليب من الأسواق العالمية.

وبحسب ما نشره اتحاد التجار والحرفيين الجزائريين، فتظهر بيانات التجارة لسنة 2025 حجم هذا الارتباط، إذ بلغت واردات الجزائر من مسحوق الحليب مستويات مرتفعة، خاصة من أوروغواي، بقيمة قاربت 343 مليون دولار. ويعكس هذا الرقم اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك الوطني، في ظل الطلب المرتفع على الحليب ومشتقاته في السوق الجزائرية.

ويضع هذا الوضع الاقتصادي قطاع الألبان أمام تحديات متعددة، في مقدمتها تقلب الأسعار في السوق العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد الدولية، إلى جانب الضغط المتزايد على احتياطات العملة الصعبة. ومع بلوغ سعر الطن من مسحوق الحليب في بعض الفترات حدود 4000 دولار، تتحول فاتورة الاستيراد إلى عبء مالي يستدعي إعادة النظر في نموذج التزويد المعتمد.

وفي هذا الإطار، باشرت السلطات اعتماد آليات تقنية لتعزيز الرقابة على الواردات الغذائية، من بينها إدخال المختبرات المتنقلة في الموانئ. وتعمل هذه الوحدات تحت إشراف المركز الجزائري لمراقبة النوعية والرزم، حيث تتيح إجراء تحاليل مخبرية مباشرة في الموانئ خلال دقائق، ما يسمح بتسريع إجراءات الفحص وضمان مطابقة المنتجات المستوردة للمعايير الصحية.

وتحقق هذه الخطوة مكاسب اقتصادية وتنظيمية مزدوجة، إذ تعزز حماية المستهلك من جهة، وتحد من إنفاق العملة الصعبة على منتجات غير مطابقة من جهة أخرى. كما يساهم تقليص زمن التحاليل في تخفيف الضغط اللوجستي داخل الموانئ، من خلال تقليل فترات انتظار الحاويات وتكاليف التخزين وغرامات التأخير.

غير أن التحول في سوق الألبان لا يقتصر على إدارة الواردات، بل يتجه نحو بناء قدرات إنتاج محلية واسعة. ويتجسد هذا التوجه في إطلاق مشروع زراعي ضخم في جنوب البلاد باستثمار يقدر بنحو 3.5 مليار دولار، يهدف إلى إنشاء منظومة إنتاج صناعي للحليب.

ويستهدف المشروع إنتاج نحو 1.7 مليار لتر من الحليب سنوياً، ما من شأنه تقليص فجوة الاستهلاك المحلي بشكل ملموس. كما يتيح هذا الاستثمار تقليص ارتباط أسعار الحليب بتقلبات السوق الدولية، وتحسين كفاءة الإنفاق العمومي عبر استبدال جزء معتبر من الواردات بالإنتاج المحلي.

ويمتد الأثر الاقتصادي لهذا التوجه إلى قطاعات متعددة مرتبطة بسلسلة إنتاج الألبان، مثل زراعة الأعلاف والخدمات البيطرية والصناعات الغذائية والنقل والتغليف. كما يعزز المشروع ديناميكية التنمية في المناطق الجنوبية عبر خلق فرص عمل جديدة وتوسيع النشاط الزراعي والصناعي.

وبذلك تدخل الجزائر مرحلة إعادة تشكيل لسوق الألبان، تقوم على الانتقال التدريجي من نموذج قائم على استيراد مسحوق الحليب إلى نموذج إنتاج محلي للحليب الطازج ومشتقاته. ومع اكتمال هذه المنظومة، يتوقع أن تتراجع فاتورة الاستيراد بشكل ملحوظ، مع إمكانية توفير ما يقارب 600 مليون دولار سنوياً من العملة الصعبة.