أُطلقت في 9 جوان وقُطعت بعد ثلاثة أيام: كيف حجبت واشنطن نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لأنثروبيك عن العالم

في 9 جوان، أطلقت شركة أنثروبيك (Anthropic) نموذجيها الأكثر تطورًا فابل 5 (Fable 5) وميثوس 5 (Mythos 5)، اللذين قُدِّما على أنهما يتفوقان على جميع نماذج سلسلة أوبوس (Opus) ويُمثلان أحدث ما توصلت إليه هندسة البرمجيات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، قبل أن تُحجَب هذه النماذج بعد ثلاثة أيام فقط.

6 min de lecture
إدارة ترامب لم تمنح شركة «أنثروبيك» المتخصصة في تطوير الذكاء الاصطناعي سوى 90 دقيقة لإزالة نماذج الذكاء الاصطناعي «مايثوس» و«فابل» التي أطلقتها مؤخرًا والتي تُعد أكثر تقدمًا، قبل أن تواجه قيودًا فيدرالية على الترخيص،

أما ميثوس 5 (Mythos 5)، المخصص لعدد محدود من المؤسسات المعتمدة ضمن برنامج غلاسوينغ (Glasswing)، فقد صُمم لأغراض الدفاع السيبراني، مع تخفيف بعض القيود الأمنية المعتادة. لكن بعد ثلاثة أيام فقط، في 12 جوان، أصدرت وزارة التجارة الأمريكية أمرًا للشركة بتعليق الوصول إلى النموذجين بالنسبة لأي شخص يحمل جنسية أجنبية، أينما كان في العالم، بما في ذلك موظفو الشركة غير الأمريكيين. وبما أن أنثروبيك لم تكن قادرة على تصفية المستخدمين بحسب الجنسية بشكل فوري، فقد عمدت إلى تعطيل النموذجين على مستوى جميع زبائنها حول العالم، سواء عبر واجهتها البرمجية (API) أو عبر منصات أمازون بيدروك (Amazon Bedrock) وغوغل فيرتكس إيه آي (Google Vertex AI) ومايكروسوفت فاوندري (Microsoft Foundry). في المقابل، بقيت نماذج كلود (Claude) الأخرى، بما فيها أوبوس 4.8 (Opus 4.8)، متاحة للاستخدام.

مسألة سيادة رقمية؟

استند القرار إلى نظام الرقابة الأمريكي على الصادرات، وهو الإطار القانوني الذي يُستخدم عادةً لتقييد تصدير أشباه الموصلات (semi conducteurs ) المتقدمة إلى الدول التي تعتبرها واشنطن معادية أو عالية المخاطر. وتُعد هذه المرة الأولى التي يُطبق فيها هذا النظام على نموذج لغوي تجاري يُوزع عبر واجهة برمجية.

ووفقًا لرسالة بعث بها وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك (Howard Lutnick) إلى الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك (Anthropic)، داريو أمودي (Dario Amodei)، واطلعت عليها وكالة رويترز (Reuters)، فإن الإدارة الأمريكية تخشى أن تستغل أجهزة الاستخبارات العسكرية في الصين أو روسيا أو دول أخرى تعتبرها واشنطن «عالية المخاطر» هذه النماذج المتقدمة.

وبحسب وسائل إعلام أمريكية، فإن أنثروبيك (Anthropic) فهمت ـ من دون أن تتلقى تأكيدًا رسميًا مفصلًا ـ أن القرار يرتبط باكتشاف طريقة للالتفاف على آليات الحماية الخاصة بفابل 5 (Fable 5) تسمح بتحديد ثغرات برمجية داخل الشيفرات المصدرية. وترى الشركة أن هذه الثغرة محدودة التأثير وغير خاصة بنموذجها، مؤكدة أن خصائص مشابهة موجودة أيضًا في نماذج عامة أخرى، من بينها جي بي تي 5.5 (GPT-5.5) التابع لشركة أوبن أي آي (OpenAI).

مهلة لا تتجاوز 90 دقيقة

وأفادت عدة وسائل إعلام أمريكية بأن أحد شركاء الشركة، والذي جرى التعرف عليه على نطاق واسع باعتباره أمازون (Amazon)، هو من اكتشف طريقة الالتفاف خلال اختبارات أمنية. ووفقًا لمعلومات نشرتها مجلة فورتشن (Fortune)، لم تحصل أنثروبيك (Anthropic) سوى على مهلة قدرها 90 دقيقة للتعامل مع الوضع، من دون أي إنذار مسبق أو توضيح دقيق لطبيعة التهديد الذي استندت إليه السلطات الأمريكية. وفي 14 جوان، قدم ديفيد ساكس (David Sacks)، الرئيس المشارك للمجلس العلمي والتكنولوجي في البيت الأبيض، الرواية الرسمية للإدارة الأمريكية، مؤكدًا أن رفع القيود بات مرتبطًا فقط بتوفير تصحيح تقني من جانب أنثروبيك (Anthropic). غير أن اجتماعًا عقد يوم 15 جوان في واشنطن بين مسؤولين تقنيين من الشركة ومسؤولي وزارة التجارة لم يسفر عن إعادة تفعيل الوصول إلى النموذجين، بحسب مصدر مطلع على المناقشات.

هل أصبحت أنثروبيك ضحية نجاحها؟

تأتي هذه الحادثة في سياق علاقة متوترة أصلًا بين الشركة والسلطات الأمريكية. ففي فيفري الماضي، رفضت أنثروبيك (Anthropic) منح وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) وصولًا غير مقيد إلى نماذجها لاستخدامها في برامج المراقبة واسعة النطاق أو في أنظمة الأسلحة المستقلة بالكامل، وهو ما أدى إلى تصنيف الشركة ضمن فئة «المخاطر على سلسلة التوريد»، وهي صفة تُستخدم عادة تجاه الشركات المرتبطة بقوى منافسة أو معادية للولايات المتحدة. وفي أوروبا، أعادت عملية الحجب إحياء النقاش حول الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الأمريكية. فقد اعتبر الوزير الفرنسي المكلف بالشؤون الأوروبية بنجامين حداد أن أوروبا لم يعد بإمكانها الاكتفاء بدور السوق المستهلكة لتقنيات تُصمم وتُدار خارج حدودها. أما في هولندا، فقد دعا النائب خيرت فيلدرز إلى تسريع تطوير ذكاء اصطناعي أوروبي يتمتع بالسيادة والاستقلالية. ومع ذلك، لا يوجد حاليًا أي نموذج أوروبي، بما في ذلك نماذج شركة ميسترال (Mistral)، قادر على مجاراة فابل 5 (Fable 5) في مجالات البرمجة أو البحث الذاتي المتقدم، وهو ما يحد من الخيارات المتاحة على المدى القصير.

درس قاسٍ لأفريقيا

بالنسبة للاقتصادات الأفريقية، تبدو الرسالة أكثر وضوحًا وقسوة. فالجزائر، شأنها شأن معظم دول القارة، لا تمتلك أي بديل سيادي في مجال النماذج الأساسية للذكاء الاصطناعي، كما أنها لا تتمتع بالوزن الدبلوماسي الذي يملكه الاتحاد الأوروبي للتأثير في القرارات الأمريكية. تُظهر هذه الحادثة أن الوصول إلى تكنولوجيا تجارية يُنظر إليها غالبًا على أنها حق مكتسب يمكن أن يُسحب خلال ساعات قليلة، من دون إنذار مسبق أو آلية للطعن، بمجرد أن تستند حكومة ما إلى اعتبارات الأمن القومي.

وبالنسبة للإدارات العمومية والبنوك ومشغلي الاتصالات في الجزائر، الذين يدمجون تدريجيًا الذكاء الاصطناعي التوليدي في عملياتهم اليومية، فإن تنويع الموردين لم يعد مجرد احتياط نظري، بل أصبح ضرورة استراتيجية. ولا تقتصر هذه الإشكالية على الجزائر وحدها. ففي الوقت الذي تدفع فيه منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (ZLECAf) نحو تسريع رقمنة المبادلات الاقتصادية، لا تزال الغالبية الساحقة من البنية التحتية السحابية والنماذج المستخدمة في القارة مستضافة أو خاضعة لسيطرة شركات أمريكية، من دون وجود إطار قانوني واضح يتيح اللجوء أو الاعتراض في حال اتخاذ واشنطن قرارات أحادية الجانب.

مخاطر تنظيمية تلاحق أكبر طرح مرتقب في وول ستريت

وتأتي هذه القضية في وقت حساس بالنسبة إلى أنثروبيك، التي أودعت مطلع جوان ملفًا سريًا لطرح أسهمها في البورصة، في عملية تُقدّر قيمة الشركة بنحو 965 مليار دولار. وبذلك، أصبح الخطر التنظيمي المرتبط بأكثر نماذجها تقدمًا جزءًا من السردية المحيطة بهذا الإدراج المنتظر، والذي يُعد أحد أكثر الاكتتابات العامة المرتقبة هذا العام في الأسواق المالية الأمريكية.

Partager cet article