B E R H G A M

T N E G R E M E

أحدث الأخبار

استيراد رزيق الاستثنائي: “جرعة أكسجين” متأخرة لنظام صناعي يختنق؟

إحسان القاضي 19 فبراير 2026
تُحاول وزارة التجارة الخارجية ضخ جرعة أوكسجين في نظام صناعي يختنق فعليًا. سؤال جوهري: ألا يأتي هذا التدارك متأخرًا جدًا؟

تُحاول وزارة التجارة الخارجية ضخ جرعة أوكسجين في نظام صناعي يختنق فعليًا. ويبدو الإعلان، هذا الأسبوع، عن منح ترخيص استثنائي للاستيراد خارج البرنامج التقديري للاستيراد (PPI)، لتلبية احتياجات الصيانة والمدخلات العاجلة، بمثابة اعتراف بفشل التسيير الإداري المشدّد للتدفقات التجارية الذي فُرض منذ جويلية الماضي مع إقرار شرط البرنامج التقديري المسبق.

وفي وقت تتصاعد فيه التحذيرات بشأن تعطل خطوط الإنتاج بسبب التوقفات التقنية المتكررة ونفاد المخزونات، يبرز سؤال جوهري: ألا يأتي هذا التدارك متأخرًا جدًا؟ فبين الأضرار التي وقعت بالفعل وبطء الدورات اللوجستية، قد يكون هذا المتنفس غير كافٍ لمواجهة حجم الفوضى التي خلّفتها بيروقراطية “البرنامج التقديري”.

جهاز إنتاج بين الأعطال و”الكانيبالية” التقنية

يبدو التشخيص الميداني واضحًا: لقد اصطدم اللجوء “الدغمائي” للتخطيط السداسي للاستيراد بواقع صناعي متقلب. وتشير التقارير الواردة من مختلف الولايات إلى أن وحدات إنتاجية عديدة تعمل بوتيرة منخفضة، أو توقفت تمامًا عن النشاط.

وطالت هذه الاختلالات قطاعات واسعة؛ ففي الصناعات الغذائية، والتغليف، والصيدلة، والأجهزة الكهرومنزلية، وصناعة البلاستيك، اضطر مديرو المصانع إلى اللجوء لما يُعرف بـ”الكانيبالية التقنية”، حيث تُفكَّك آلات للحصول على قطع غيار تُبقي آلات أخرى في الخدمة. كما امتدت الأزمة إلى خِدْمَات حيوية على تماس مباشر مع المواطنين؛ إذ توقفت أجهزة “سكانير” حديثة في مراكز التصوير الطبي بسبب نقص بطاقة إلكترونية بسيطة أو أنبوب أشعة لم يُتوقّع استيراده قبل ستة أشهر.

ومع ذلك، فإن الأسوأ لم يظهر بعد. فتعقيد دورة التموين العالمية، إلى جانب نفاد مخزونات الأمان المسجّل نهاية 2025، ينذر بآثار أكثر حدة خلال السداسي الأول من 2026. وحتى مع منح تراخيص استثنائية اليوم، فإن آجال الشحن والجمركة ستُبقي على نقص المدخلات الأساسية خلال الأشهر المقبلة، ما يجعل أثر هذا الإجراء متأخرًا عن موعده الطبيعي.

الإنذار المتجاهل: “هامش الحرية” الضائع

كان هذا السيناريو المتأزم متوقعًا، بل وكان بالإمكان تفاديه. فمنذ صيف 2025، قدّمت منظمات أرباب العمل مقترحات عملية للوزير كمال رزيق لاستباق انسداد “البرنامج التقديري”، أبرزها تخصيص “هامش حرية” يتراوح بين 20 و30% من القيمة الإجمالية للبرنامج.

وكان من شأن هذا الهامش أن يسمح للمتعاملين بالقيام بالاستيراد الطارئ عند حدوث أعطال أو نقص مفاجئ. واقترح أحد رؤساء المؤسسات من منتدى CARE، لتفادي أي تجاوزات، شراء العملة الصعبة لهذه الحصة بسعر أعلى قليلًا من السعر الرسمي. غير أن الوزارة، برفضها لهذا “صمام الأمان”، حشرت الفعل الإنتاجي في قيد إداري خانق.

وقد حجبت مقاربة “ترشيد العملة الصعبة” حقيقة اقتصادية أساسية:الآلة المتوقفة تكلّف الدولة من العملة الصعبة غير المباشرة—من ضياع التصدير، وارتفاع الأسعار، والبطالة التقنية—أكثر بكثير من قطعة الغيار اللازمة لإصلاحها. وهكذا تحوّل المنطق المحاسبي إلى عائق هيكلي.

منصة البرنامج التقديري: واجهة للشلل

وفي قلب هذا النظام، تحولت المنصة الرقمية المخصصة للبرامج التقديرية إلى رمز لبيروقراطية رقمية خانقة. ويشتكي المتعاملون من آجال معالجة لا تتوافق إطلاقًا مع سرعة عالم الأعمال. والأسوأ أن الإدارة تمنح لنفسها حق تعديل ميزانيات الشركات من طرف واحد، وغالبًا دون مبرر تقني.

ويخلق هذا التدخل حالة من عدم الاستقرار المزمن. فالمصنع الذي يبني إنتاجه على أساس 100 طن من المادة الأولية، يجد نفسه أمام حصة لا تتجاوز 60 طنًا يقررها “خوارزم إداري”، ما يؤدي إلى تفكيك سلسلة القيمة لديه بالكامل. وفي أكتوبر 2025، وُجهت تهم لعدد من موظفي الوزارة وثمانية متعاملين اقتصاديين في قضية فساد مرتبطة بالمنصة.
الثقة المفقودة لدى الزبائن الأجانب

وبينما صُمم نظام “البرنامج التقديري” أصلاً للحفاظ على احتياطات الصرف، فإنه يُنتج اليوم أثرًا عكسيًا على طموحات التصدير. فقد بدأت الشركات الجزائرية التي نجحت في التموقع دوليًا تفقد زبائنها، إذ أدى العجز عن ضمان خطة إنتاج مستقرة إلى تراجع مصداقية علامة “صنع في الجزائر” كمورد موثوق.

وفي مثال بارز، فقدت شركة واعدة من شرق الجزائر عقدًا لتزويد سلسلة KFC في الشرق الأوسط بمنتجات غذائية معبأة. وهكذا تسببت الرغبة في توفير بضعة ملايين من الدولارات في قطع الغيار في إلحاق ضرر كبير بصورة الجزائر التجارية وبإمكانات نمو الصادرات خارج المحروقات على المدى الطويل.