في أقل من عقد من الزمن، ارتفع الدين العمومي الجزائري من 7٪ إلى ما يقرب من 55٪ من الناتج المحلي الإجمالي. ويعتمد الجزء الأكبر من هذا الارتفاع على سندات غير قابلة للتداول، صُدرت بمعدلات فائدة منخفضة ومسجلة في ميزانية بنك الجزائر. هذه الآلية، التي لا مثيل لها في المنطقة، موثقة الآن بالتفصيل في تقرير صندوق النقد الدُّوَليّ (IMF AMPM 2026).
لا يطرح مستوى الدين العمومي الجزائري في حد ذاته إشكالًا كبيرًا، إذ يظل دون 50٪ من الناتج المحلي الإجمالي (باستثناء الذروة الأخيرة المرتبطة ببرنامج إعادة التمويل الخاص -PSR-)، وهو مستوى يبقى ضمن المعايير الدولية. إنما تكمن الإشكالية في آلية التمويل. فمنذ عام 2015، لم تعد الدولة الجزائرية تمول نفسها أساسًا عبر الأسواق، بل أصبحت تقترض من بنكها المركزي من خلال سندات سيادية مخصصة (ad hoc)، غير قابلة للتداول وبمعدلات فائدة أقل من أسعار السوق. تحافظ هذه الحلقة المغلقة على تكاليف فائدة منخفضة، لكنها تطرح تساؤلات حول حدود استدامتها.
إرث العقد النفطي
حتى عام 2014، لم تكن مسألة الدين مطروحة. فقد سمحت الفوائض في الميزانية، مدعومة بسعر برميل يناهز 100 دولار، للخزينة بالسداد دون عناء. وتراجع معدل الدين إلى ما بين 5 و10٪ من الناتج المحلي الإجمالي، فيما انخفض الدين الخارجي إلى مستويات متدنية جدًا. آنذاك بدت الجزائر نموذجًا في تقليص المديونية.
لكن مع تراجع أسعار النفط انتهت تلك المرحلة؛ إذ انخفض سعر برنت من نحو 100 دولار في 2014 إلى متوسط 53 دولارًا بين 2015 و2019، وتراجعت عائدات الجباية النفطية. في المقابل، واصلت النفقات العامة — من تحويلات ودعم وكتلة الأجور — ارتفاعها، ما جعل العجز يكتسب طابعًا هيكليًا.
التحول نحو الدين غير القابل للتداول
لتمويل هذا العجز، لجأت الخزينة بشكل مكثف إلى أداة خاصة: الدين غير القابل للتداول. وهي سندات سيادية تُصدر خارج دوائر السوق، يتم الاكتتاب فيها أساسًا لدى بنك الجزائر، بمعدلات فائدة مخفضة وغير قابلة للتنازل في السوق الثانوية. وتختلف هذه السندات عن الدين القابل للتداول (السندات الكلاسيكية) التي تكتتب فيها البنوك والمستثمرون المؤسساتيون.
قبل عام 2015، كان رصيد الدين العام يتكون في غالبيته من سندات قابلة للتداول، لكن الميزان انقلب في غضون سنوات قليلة. فأصبح معظم الدين المتراكم منذ ذلك التاريخ غير قابل للتداول. والأمر اللافت أنه في عامي 2017-2018 تم تحويل أرصدة من الدين القابل للتداول إلى دين غير قابل للتداول، في إطار عمليات إصدار مرتبطة بالتمويل المباشر من البنك المركزي. لم يكن ذلك مجرد تغيير في التدفقات، بل إعادة هيكلة للمخزون القائم.
برنامج إعادة التمويل الخاص: 8,3٪ من الناتج في عام واحد
في عام 2021، أطلقت السلطات برنامج إعادة التمويل الخاص (PSR)، الذي عكس بوضوح هذا التوجه، إذ بلغت قيمته نحو 8,3٪ من الناتج المحلي الإجمالي في سنة واحدة. ويعمل البرنامَج عبر سلسلة مترابطة: تشتري الخزينة من البنوك العمومية ديونًا مستحقة على شركات عمومية، ثم تعيد هذه البنوك تمويل نفسها لدى بنك الجزائر، مقابل منح قروض طويلة الأجل مجمعة لتلك الشركات. وهكذا تنتقل الأموال ضمن حلقة مغلقة: الخزينة، ثم البنوك العمومية، فالشركات العمومية، وأخيرًا بنك الجزائر. وقد دفع هذا البرنامَج نسبة الدين إلى 54,5٪ نهاية عام 2021، مع إبقاء كلفة الفائدة عند مستوى منخفض، لأن أسعار الفائدة على الديون غير القابلة للتداول تحددها السلطات نفسها.
التكلفة غير المرئية
يوفر هذا المخطط مِيزة فورية واضحة: تمويل عجز كبير دون الخضوع لانضباط السوق؛ فلا تحتاج الدولة إلى إقناع مستثمرين أو مواجهة ضغوط على أسعار الفائدة أو إشارات مباشرة حول مخاطرها السيادية. وتبقى كلفة خدمة الدين محدودة، كما تظهر البيانات. غير أن انخفاض الكلفة الظاهر لا يعني انعدام الكلفة الفعلية. فعندما يدرج بنك الجزائر الدين السيادي في ميزانيته بشروط لا تعكس السوق، تتأثر قدرته على إدارة السياسة النقدية. كما أن فائض السيولة الذي يُضخ في الجهاز المصرفي ويُعقَّم جزئيًا ينعكس في الكتلة النقدية M2، التي شهدت تقلبات ملحوظة في نموها خلال العقد الماضي. كذلك يستقر معدل الفائدة بين البنوك دون المعدل التوجيهي لفترة طويلة، ما يعكس تشوشًا نسبيًا في انتقال إشارة السياسة النقدية.
وتزيد هيمنة البنوك العمومية — التي تستحوذ على أكثر من 85٪ من أصول القطاع — من تفاقم هذا الوضع. فهي تمنح قروضًا بشروط تفضيلية وتستفيد من ضمانات الدولة، وتعمل في سوق محدودة المنافسة. ونتيجة لذلك، يظل انتقال السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي ضعيفًا، في ظل سوق مالية ضحلة.
العودة نحو السوق؟
يضع القانون النقدي والمصرفي الجديد لعام 2023 إطارًا لتسبيقات الخزينة من بنك الجزائر، ويوفر الأدوات القانونية لتحديث الإطار النقدي. نظريًا، التوجه واضح: يفترض أن يعود تمويل العجز تدريجيًا نحو أدوات السوق. وتفترض النماذج الماكرو-اقتصادية التي طورها بنك الجزائر بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، في فرضياتها طويلة المدى، تمويلاً يعتمد بالكامل على السوق. ورغم أن ذلك يظل معطى تقنيًا لا التزامًا سياسيًا، فإنه يشير إلى الأفق الذي تعمل عليه فرق البنك المركزي.
غير أن هذا الانتقال سيكون معقدًا؛ إذ يتطلب التحول من تمويل منخفض الكلفة وموجَّه إداريًا إلى إصدارات تنافسية وجود سوق دين داخلي حقيقي، وهو أمر شبه منعدم اليوم. سوق يضم مستثمرين مؤسساتيين متنوعين، ومنحنى مردودية ذا مصداقية، وسوقًا ثانوية نشطة — وهي شروط تستدعي إصلاحات هيكلية في القطاع المالي تتجاوز مجرد الإطار النقدي.

