لقد دخل بوعلام خوخي للتو تاريخ كأس العالم. واجتاحت دكة بدلاء قطر أرضية الملعب على الفور، وتعانق اللاعبون وكأنهم فازوا بالنهائي، ولهم كل الحق في ذلك؛ فهذا الهدف سمح لقطر بمحو خيبة أمل عام 2022 – ثلاث هزائم في ثلاث مباريات على أرضهم – وحصد أول نقطة لهم على الإطلاق في هذه البطولة العالمية. وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بدأت الشائعات الأكثر غرابة في الانتشار فوراً، حيث زعمت بعض الحسابات أن “جهاز قطر للاستثمار” سيمنح ثلاثة ملايين دولار وسيارة “رولز رويس فانتوم” لمسجل هدف السهرة. وهو محض خيال لم تؤكده أي مصادر قطرية رسمية بالطبع، لكنه جنون يثبت أن أسطورة خوخي أصبحت حقيقة ملموسة.
من بوسماعيل إلى العربي: معالم مسيرة واعدة
ولد بوعلام خوخي في 9 جويلية 1990 في “بوسماعيل”، وهي بلدة ساحلية تابعة لولاية تيبازة، تقع على بُعد حوالي خمسين كيلومتراً غرب الجزائر العاصمة. وفي صفوف “شبيبة الشراقة”، وهو نادٍ يقع في الضاحية الغربية للعاصمة، تلقى تكوينه وخطا خطواته الأولى مع الفريق الأول خلال موسم 2009-2010.
وفي تلك التشكيلة لنادي الشراقة، زامل لاعباً يُدعى إسلام سليماني، الهداف التاريخي للمنتخب الجزائري. كانت بدايته صعبة في موسمه الأول، لكن وصول المدرب فريد زميتي إلى العارضة الفنية منحه الدفعة اللازمة وشكّل نقطة تحول بالنسبة له. لفتت مستوياته الأنظار، وأبدت عدة أندية جزائرية، من بينها اتحاد الحراش، اهتمامها به. لكن في النهاية، رجحت كفة عرض قطري، حيث قدم له نادي “الشمال” عقداً.
غير أنه بمجرد وصوله إلى قطر، استشعر الفني الألماني أولي شتيليكه، الذي كان يدرب نادي “العربي” آنذاك، الإمكانات الاستثنائية للمدافع الجزائري الشاب وعرض عليه خوض فترة تجريبية. أقنع خوخي الجميع على الفور، ووقع العقد وفرض نفسه سريعاً كلاعب أساسي. كان ذلك في نوفمبر 2009، ولم يكن يتجاوز عمره 19 عاماً.
سجل حافل وتحول إلى قائد لخط الدفاع
على مدار ثمانية مواسم قضاها في نادي “العربي”، صقل خوخي أسلوب لعبه وبدأ التحول الذي سيصنع تميزه: فبعد أن بدأ كلاعب خط وسط دفاعي ومحوري، تراجع تدريجياً نحو قلب الدفاع، وهو المركز الذي بلغ فيه ذروة العطاء والتميز حتى بعد تجاوزه سن الـ35. وشكّل انتقاله إلى نادي “السد” عام 2017 – في سياق شهد أزمة رواتب غير مدفوعة في العربي – منعطفاً حاسماً في مسيرته. وتحت ألوان النادي الأكثر تتويجاً في قطر، والذي تقاسم فيه غرفة الملابس مع بغداد بونجاح، حقق لقب الدوري خمس مرات، وكأس الأمير ثلاث مرات، وكأس الرابطة مرتين.
برصيد 127 مباراة دولية و23 هدفاً، أصبح خوخي خامس أكثر اللاعبين خوضاً للمباريات في تاريخ قطر، وصاحب الهدف الأهم على الإطلاق في مسيرة هذا المنتخب الذي احتضنه. وما يزيد من استحقاق البطل الجديد لمنتخب “العنابي” هو أنه بدأ مسيرته من بعيد؛ إذ يقول قائد فئة أقل من 19 سنة لنادي مولودية الجزائر آنذاك: “لو أن أحداً تنبأ لي في خريف عام 2008، عندما التقيته في مباراة للشباب، بأن خوخي سيصنع مثل هذا المسار الكروي، لكنت اتهمته بالجنون”. كما يتذكر أحد الكشافين، الذي رصده أثناء متابعته لإسلام سليماني، قائلاً: “كان بوعلام نحيفاً وصلباً نوعاً ما في تحركاته، لكنه كان يعوض ذلك بتقنية عالية الدقة وجهد سخي يغطي مساحات واسعة من الملعب”. هذا التنوع الكبير في مراكزه ودقته في اللمسة الأخيرة هما ما رسخا مكانته ضمن صفوة الكرة الخليجية.
الخيار الذي غيّر كل شيء
عندما عرض عليه الاتحاد القطري لكرة القدم نيل الجنسية في عام 2011، اعتذر خوخي بأدب؛ إذ كانت رغبته هي اللعب لصالح الجزائر، لا سيما وأنه قد انضم بالفعل إلى المنتخبات الوطنية للشباب في صفوف “الخضر”، وتحديداً منتخب أقل من 23 سنة والمنتخب الأولمبي. لكن أبواب الفريق الأول لم تفتح أمامه، فالمنافسة في خط وسط الميدان الجزائري كانت شرسة للغاية بتواجد أسماء مثل قديورة، وفيغولي، وبن طالب، ولاحقاً بن ناصر وبوداوي، الذين شغلوا منطقة لعبه
. أمام هذا الوضع، اتخذ خوخي خياراً براغماتياً: قبول الجنسية القطرية لمساعدة ناديه على الامتثال لحصّة اللاعبين الأجانب المسموح بها. وبمجرد استيفائه لشروط الأهلية وهو في سن الـ23، استدعاه جمال بلماضي عام 2013، والذي كان حينها مدرباً لـ “العنابي”. وسجل ظهوره الرسمي الأول في 25 ديسمبر 2013 أمام منتخب فلسطين.
ما فقده من الرومانسية الجزائرية – فخر ارتداء القميص الأخضر لبلده – قد عوّضه برصيد ثري من الألقاب، والاستقرار، وبهدف دخل به أسطورة كرة القدم في يوم مشهود، وتحديداً في 13 جوان 2026 بمدينة سان فرانسيسكو. وقد يتوّج هذا المسار أيضاً بغنيمة خيالية من المجد والثناء، إذا ما انضافت إلى رصيده مكافآت وجوائز فردية تقديراً لإنجازه.


