B E R H G A M

T N E G R E M E

غير مصنف

انضمام صنصال إلى مجموعة بولوري يكشف عن الحرب الثقافية التي يخوضها اليمين المتطرف في فرنسا

أسامة نجيب 12 مارس 2026
بوعلام صنصال يتحدث إلى وسيلة الإعلام اليمينية المتطرفة "فرونتيرز"، التي هو عضو في هيئة تحريرها.

يرى كثير من الجزائريين أن التحاق بوعلام صنصال ببولوري لا يتجاوز كونه “تطبيعاً” أو “وضعاً في سياقه الطبيعي”، إذ ينضمّ الكاتب إلى مجموعة تحمل أيديولوجيا معروفة بعدائها للإسلام وعدائها التاريخي للجزائر كأمّة. لكن هذا الانتقال، بعيداً عن الحالة الفردية، يكشف حلقة جديدة في المعركة الثقافية التي يقودها اليمين المتطرف في فرنسا، وهي معركة تحوّل فيها مجمّع بولوري إلى سفينة القيادة.

ويغادر بوعلام صنصال دار غاليمار ليلتحق بدار نشر تابعة لمجموعة هاشيت ليفر، التي أصبحت تحت سيطرة فيفندي، في خطوة تندرج ضمن حركة أوسع: تسارع تركيز وسائل الإعلام والنشر في فرنسا، وصعود كتلة أيديولوجية تسعى إلى فرض سرديتها في الفضاء العام. وتجد أفكار صنصال، وعداؤه المعلن للفلسطينيين، ودعمه لإسرائيل، ودوره في اللجنة التحريرية لمجلة Frontières اليمينية المتطرفة المتخصصة في الوشاية، انسجاماً واضحاً داخل عالم بولوري، حيث ينضمّ الكاتب إلى مجموعة تعلن طموحاتها الأيديولوجية بلا مواربة.

استراتيجية ثقافية “غرامشية”

يفرض هذا التحوّل العودة إلى أنطونيو غرامشي، المنظّر الماركسي الذي سُجن على يد موسوليني، والذي رأى أن الهيمنة السياسية لا تُنتزع فقط عبر صناديق الاقتراع، بل عبر القدرة على فرض سردية ورؤية للعالم وصياغة “حسّ مشترك”. وتبدأ السيطرة على السلطة، وفق هذا المنطق، بالسيطرة على العقول. وقد استوعب اليمين المتطرف الفرنسي هذا الدرس جيداً. فمنذ الثمانينيات، ينتهج استراتيجية للغزو الثقافي تقوم على إعادة تشكيل المشهد الإعلامي والفكري والنشري تدريجياً، وفرض مواضيعه وهواجسه وأولوياته على النقاش العام.

ومنذ سنوات، يتقدّم مجمّع بولوري بخطّة استراتيجية متماسكة. فبالسيطرة على قناة سي نيوز (CNews) ومحطة أوروب أون (Europe 1) وصحيفة جورنال دو ديمانش (Journal du Dimanche)،وإعادة هيكلة خطوطها التحريرية، وفرض شخصيات يمينية متطرفة بخطاب عنصري مباشر، نجحت فيفندي في بناء كتلة إعلامية مؤثرة. ولا تكتفي هذه الكتلة بالتعليق على الأحداث، بل تعيد صياغتها وترتيبها، وتبث رؤية للعالم تتمحور حول الهجرة والإسلام والأمن والانحطاط الوطني. إنه مشروع مُفكَّر فيه، مُموَّل، ومُنفَّذ بمنهجية دقيقة.

إمبراطورية إعلامية تبتلع أيضاً قطاع النشر

ويمضي بولوري في الاتجاه نفسه عبر الاستحواذ التدريجي على مجموعة هاشيت ليفر Hachette Livre ، ثالث أكبر مجموعة نشر في العالم. ولا يهدف هذا التوسع إلى تنويع الأنشطة فحسب، بل إلى السيطرة على سلسلة إنتاج السرد كاملة: من استوديوهات التلفزيون إلى رفوف المكتبات. وهكذا يتحول الأدب، الذي كان يُنظر إليه طويلاً كفضاء للتعددية والمقاومة، إلى ساحة نفوذ جديدة، بينما تصبح دور النشر أدوات في معركة سياسية وثقافية.

ويأتي انتقال بوعلام صنصال في لحظة يشهد فيها قطاع النشر الفرنسي تركّزاً يهدد استقلاليته التاريخية. وليس من المصادفة أن يلعب نيكولا ساركوزي، الرئيس المدان قضائياً، دور الوسيط في هذا الالتحاق. ويكشف تدخّله، كما نقلت عدة مصادر، مدى تداخل السياسة والنشر والإعلام داخل مشروع واحد لإعادة تشكيل المشهد الأيديولوجي.

ويندرج اختيار بوعلام صنصال، سواء كان بدافع مالي أو نتيجة تقارب مع توجهات المجموعة، ضمن حركة تستقطب كتّاباً وصحافيين ومفكرين نحو قطب نشر يسعى إلى فرض أيديولوجيا معادية للأجانب ومعادية للإسلام. وتتحرك مجموعة بولوري كسفينة حربية في هذه الهجمة الثقافية، مستفيدة من موارد مالية ضخمة وشبكة إعلامية متكاملة.

وتبدو دار غاليمار العريقة كحصن مهدّد أمام فاعل يجمع بين قوة اقتصادية وهيمنة إعلامية غير مسبوقة. ولم يعد الحقل الأدبي الفرنسي فضاءً محمياً، بل أصبح ساحة يخترقها منطق السيطرة والاستحواذ. وتواجه دور النشر المستقلة صعوبة كبيرة في مقاومة آلة ضخمة تتحرك كجيش ذي خطة معركة.

وينسجم انضمام بوعلام صنصال إلى بولوري مع مساره الأيديولوجي. وتبدو خيانته الفردية لغاليمار تفصيلاً ثانوياً أمام التحوّل الأكبر، الذي يعيد إلى الأذهان أجواء صعود النازيه والفاشيه في ثلاثينيات القرن الماضي. وتمثّل هذه الخطوة حلقة جديدة في معركة ثقافية يتحدد فيها مستقبل التعددية في النشر، بينما يتقدّم اليمين المتطرف اليوم بوسائل إمبراطورية.