تكشف التعديلات المتتالية التي أدخلها مجلس الأمة على قانون المرور ثم على قانون تجريم الاستعمار عن استمرار الغرفة العليا في أداء وظيفتها الأصلية: مراقبة مخرجات المجلس الشعبي الوطني وتصحيح ما قد يُعدّ انحرافات غير مرغوبة، من دون الدخول في مواجهة مباشرة. ومن خلال هذه التعديلات، تبدو بوضوح بصمة الرئاسة التي تستخدم مجلس الأمة كأداة لضبط المبادرات التشريعية الصادرة عن الغرفة السفلى.
هندسة سياسية وُلدت من صدمة 1991
يعود اعتماد النظام ثنائي الغرف إلى مرحلة سياسية شديدة الاضطراب: انتخابات ديسمبر 1991 التي فازت في دورها الأول الجبهةُ الإسلامية للإنقاذ، في ظل قانون انتخابي صُمّم أصلاً لخدمة حزب جبهة التحرير الوطني لكنه انقلب عليه. ولمواجهة احتمال تكرار “تصويت غير مرغوب فيه”، أُنشئ مجلس الأمة مع ثلث رئاسي معيّن يمتلك قدرة تعطيل واضحة.
ورغم أنّ الحياة السياسية جرى لاحقًا تطويقها والتحكّم فيها مسبقًا، فقد احتُفظ بالغرفة الثانية التي أقرّها دستور 1996 باعتبارها صمام أمان يسمح للرئاسة بتعديل مسار أي مبادرة تشريعية قد تخرج عن الخط المطلوب. وتبرز هذه الوظيفة بوضوح عندما تتوتر الأوضاع، كما حدث في مثالين حديثين:
في قانون المرور: صوّت المجلس الشعبي الوطني على نسخة مشددة تضمنت عقوبات أثقل، قبل أن تدفع الاحتجاجات الواسعة السلطة إلى التراجع عبر قناة مجلس الأمة الذي خفّف العقوبات وأعاد النص إلى منطق “القابلية الاجتماعية للتطبيق”.
في قانون تجريم الاستعمار: مرّر المجلس الشعبي الوطني نصاً يطالب باعتذارات وتعويضات، لكن مجلس الأمة قلّص نطاقه وأبدى تحفظات على ثلاثة عشر مادة، وحذف المطالب الأكثر تصادماً مع السياق الدبلوماسي.
ثلث رئاسي… وسلطة تصحيح دائمة
يبقى السؤال مطروحاً: هل تصرف المجلس الشعبي الوطني فعلاً بشكل مستقل إلى درجة إرباك المسار الدبلوماسي، أم أن السلطة التنفيذية تركت الأمور تتقدم عمداً، قصد تبليغ رسالة، قبل أن تتدخل عبر الغرفة العليا لتعديل المسار؟ مهما كانت الإجابة، فإن المؤكد هو أن مجلس الأمة أدى دوره التقليدي كأداة ضبط رئاسية.
ورغم اختلاف السياقات — الأمن الداخلي في حالة قانون المرور، والدبلوماسية في حالة قانون تجريم الاستعمار — فإن المنطق واحد: مجلس الأمة يعمل كامتداد للرئاسة داخل الفضاء التشريعي.
يمكن للمجلس الشعبي الوطني أن يشرّع، أو يظهر أنه يشرّع، لكن القرار النهائي يبقى بيد السلطة التنفيذية، خصوصاً في الملفات ذات البعد الخارجي. وتذكّر التعديلات الأخيرة أن السياسة الخارجية تُصنع في قمة الدولة، لا تحت قبة البرلمان.
عندما ظل زياري الطريق
على سبيل الطرفة السياسية، وللمفارقة، في ماي 2011، أدلى عبد العزيز زياري، الذي كان آنذاك رئيساً للمجلس الشعبي الوطني، بتصريحات لافتة في جريدة الشروق، رفض فيها النظام البرلماني معتبراً أن الجزائريين لن يكونوا «ناضجين» له قبل عدة عقود. وقال يومها إن «النظام البرلماني سيظل خطراً على الجزائر لمدة تتراوح بين 30 و40 سنة»، محذّراً من انزلاقه نحو «نظام قبلي وجهوي».
إن الحجج التي ساقها زياري ضد النظام البرلماني — والمتعلقة بما اعتبره عدم نضج لدى الجزائريين — هي نفسها التي استُخدمت لتبرير إنشاء مجلس الأمة كآلية رقابية بيد الرئاسة. ومع ذلك، ومن المفارقات، أنه في المقابلة نفسها دعا زياري إلى إلغاء مجلس الأمة، متسائلاً عن جدواه… لعلّه كان قد ضلّ طريقه قليلاً بالفعل وفقاً لمنطق النظام القائم.

