وفي حوار مع موقع «مغرب إيمرجنت»، أوضح الأنصاري أن التعاون العسكري الجزائري النيجري يأتي امتداداً لاتصالات وزيارات متبادلة على مستوى المسؤولين، مشيراً إلى زيارة رئيس المجلس الوطني لحماية الوطن، الفريق أول عبد الرحمن تياني، إلى الجزائر في فبراير 2026، إلى جانب زيارات لوزير الدفاع النيجري خلال أكتوبر الجاري.
وبحسب الأنصاري، فإن السلطات النيجيرية الانتقالية طلبت الدعم الجزائري في إطار مواجهة التحديات الأمنية التي تواجه البلاد، معتبراً أن التقارب بين البلدين يستند إلى مصالح مشتركة، خصوصاً في مجال تأمين الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
ويأتي هذا التقارب عقب توقيع رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، ونظيره النيجري، الفريق أول سليفو مودي، بروتوكول اتفاق للتعاون العسكري في 21 أكتوبر الجاري. ويشمل الاتفاق التكوين والتجهيز والصحة العسكرية وتبادل الخبرات وتعزيز القدرات العملياتية.
وكان البرلمان الجزائري بغرفتيه قد صادق على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، قبل صدور القرار التنفيذي عن الرئيس عبد المجيد تبون في 26 أكتوبر. وربطت الرئاسة الجزائرية الخطوة بحماية المصالح الاستراتيجية المشتركة، بما فيها المصالح الطاقوية والاقتصادية.
المادة 45 والاستثناء المرتبط بحالة الطوارئ
وفي ما يتعلق بالأساس القانوني لوجود قوات أجنبية في النيجر، استند الأنصاري إلى المادة 45 من ميثاق إعادة التأسيس للمرحلة الإنتقالية ، بعد انقلاب على سلطة الرئيس النيجري محمد بازوم وتعطيل العمل بالدستور، موضحاً أن النص يجعل الترخيص بوجود هذه القوات خاضعاً، من حيث الأصل، لاستفتاء شعبي، مع إتاحة استثناء في حالات الطوارئ يسمح بمنح الترخيص بمرسوم، بعد أخذ رأي المجلس الاستشاري لإعادة التأسيس.
ويرى المحلل النيجري أن الوجود العسكري الجزائري يندرج ضمن هذا الاستثناء، بالنظر إلى الوضع الانتقالي والاعتبارات الأمنية التي تواجهها البلاد. غير أن هذا الإطار يطرح، بحسب مضمون تحليله، إشكالية تتعلق بمدى ارتباط القرارات الاستراتيجية بموافقة شعبية مباشرة، في ظل تعليق العمل بالدستور وحل الأحزاب السياسية منذ الانقلاب العسكري في يوليو 2023.
ويعتبر الأنصاري أن عودة المؤسسات الدستورية المنتخبة تظل ضرورية لضمان رقابة سياسية على الاتفاقات العسكرية، بما يسمح للبرلمان المنتخب بمراجعة هذه الترتيبات وتقييم استمرارها وفقاً للمصلحة الوطنية.
التهديدات الأمنية تتجاوز الحدود الشمالية
وعن طبيعة التحديات الأمنية التي تواجه النيجر، وضع الأنصاري المناطق الغربية، عند الحدود مع مالي وبوركينا فاسو، في مقدمة بؤر التهديد، بالنظر إلى نشاط جماعات مسلحة، من بينها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة في غرب إفريقيا.
كما أشار إلى المخاطر الأمنية في الجنوب، حيث تنشط جماعات مسلحة وشبكات لقطع الطرق قرب بحيرة تشاد، إضافة إلى تهريب الأسلحة والمخدرات والبشر في المناطق الشمالية والشرقية.
وبحسب تقديره، فإن التعاون مع الجزائر يمكن أن يسهم في تعزيز أمن الحدود الشمالية، لكنه لا يكفي بمفرده لمعالجة مختلف التهديدات التي تواجه البلاد، خصوصاً في المناطق الغربية والجنوبية. وهو ما يجعل مواجهة الجماعات المسلحة رهينة، أيضاً، بقدرة السلطات النيجرية على تنسيق جهودها الأمنية وتطوير تعاونها مع شركاء إقليميين ودوليين.
وفي هذا السياق، ذكر الأنصاري روسيا وتركيا وإيران ضمن الدول التي تقدم أشكالاً متفاوتة من الدعم للنيجر، بينما اعتبر أن الحضور الإماراتي يتركز في المجالات الإنسانية والتنموية، من دون وجود عسكري أو أمني رسمي، وفق تقديره.
قبول داخلي دون نقاش سياسي واسع
وعن المواقف داخل النيجر من التعاون العسكري مع الجزائر، قال الأنصاري إن القوى السياسية والمدنية والقبلية لم تُظهر، بحسب ما يتابعه، انقساماً حاداً بشأن هذه الخطوة. وأضاف أن بعض الفاعلين السياسيين والمدنيين السابقين ينظرون إلى التعاون باعتباره عاملاً يمكن أن يدعم الاستقرار والتنمية.
كما أشار إلى أن المجتمعات المحلية في المناطق الحدودية تدرك أهمية تأمين الصحراء من نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، معتبراً أن الجزائر لم تفرض شروطاً سياسية على السلطات النيجرية، وفق قراءته لطبيعة العلاقة بين البلدين.
وعزا غياب نقاش برلماني علني واسع حول الاتفاق إلى طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها النيجر، حيث لا تعمل المؤسسات السياسية المنتخبة بصورة تسمح بإخضاع القرارات الاستراتيجية لنقاش عام مماثل لما يجري في الأنظمة الدستورية.
وفي المحصلة، يرى الأنصاري أن التعاون العسكري مع الجزائر يستجيب لحاجات أمنية مباشرة، لكنه يشدد على أن استدامة هذه الشراكة تتطلب استعادة المسار الدستوري وبناء مؤسسات منتخبة قادرة على ممارسة الرقابة على الاتفاقات العسكرية وتحديد مستقبلها.
وبذلك، لا يقتصر النقاش حول الخطوة الجزائرية في النيجر على أبعادها الأمنية، بل يمتد إلى طبيعة الإطار السياسي والقانوني الذي يحكمها، وحدود قدرة السلطات الانتقالية على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأمد في غياب مؤسسات منتخبة.



