B E R H G A M

T N E G R E M E

الأسبوع الاقتصادي

غرينلاند وفوضى المناخ كأنها سيمفونية حرب عالمية تُعزف

إحسان القاضي 25 يناير 2026

في «دافوس» الأسبوع الماضي، خرج شبح حرب عالمية ثالثة من دائرة التوقعات البعيدة ليقترب بشكل خطِر من جداول أعمالنا. فالمنتديات الاقتصادية، التي كانت ملاذًا للتجارة الحرة، باتت اليوم تعجّ بتحذيرات كارثية.

تجد التوترات الدولية المتراكمة منذ بداية القرن الحادي والعشرين — من الهجرة، والوصول إلى المواد الخام الحيوية، واستغلال القطبين اللذين حرّرهما ذوبان الجليد، وصولًا إلى صعود اليمين المتطرف ذي النزعة الفاشية — في الفوضى المناخية مسرّعًا لا يرحم. لم يعد الأمر مجرد مسألة درجات حرارة، بل نغمة حربية بدأت تُعزف وتفرض نفسها.

وبطريقة أو بأخرى، كُتبت هذه النغمة على أيدي حكّام مستبدين يرفضون مواجهة التحدي العالمي المتمثل في تغيّر المناخ وما يسببه من اختلالات. لقد قرروا حماية أنفسهم منه فرادى، بل وتحويل هذا الاختلال إلى فرصة لصالحهم. ورغبة دونالد ترامب في الاستيلاء على غرينلاند ليست سوى صورة كاريكاتورية لهذا المنطق.

عواصف الشتاء وكوارث الصيف

لم يعد تكثّف العواصف والظواهر المناخية القصوى موضوعًا للنقاش العلمي، بل حقيقة تدق أبوابنا. فبعد موجات الحر الخانقة والحرائق الضخمة التي تجتاح فصول الصيف — من اليونان إلى كاليفورنيا مرورًا بالجزائر — ها هو الشتاء يباغتنا بأعاصير وحشية. فالعاصفتان «هاري» في البحر المتوسط و«إنغريد» في خليج بسكاي، برياح بلغت 130 كم في الساعة وأمواج وصل ارتفاعها إلى تسعة أمتار، تذكّران بشكل مشؤوم بكارثة درنة في ليبيا عام 2023.

وتُعدّ عاصفة «دانيال»، التي تسببت في انهيار سد سيئ الصيانة وأودت بحياة أكثر من ثلاثين ألف شخص، مؤشرًا واضحًا على ظاهرة الاحتباس الحراري. فقد تفاقمت قوتها بسبب ارتفاع حرارة مياه المتوسط بمقدار ثلاث إلى أربع درجات مئوية فوق المعدلات الطبيعية، ما أدى إلى زيادة التساقطات بنسبة 20 بالمئة.

واليوم تؤكد تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن الاحترار الناجم عن الأنشطة البشرية (+1.1 درجة مئوية) يضاعف من حدة هذه الظواهر، جاعلًا موجات الأمطار الغزيرة أكثر عنفًا بنسبة تتراوح بين 12 و22 بالمئة منذ عام 1961.

إن الاختلال المناخي يقتل مباشرة بالغرق والحرائق، لكنه يهدد قبل كل شيء بالقتل غير المباشر على نطاق غير مسبوق، عبر إيقاظ النزعات الاستعمارية التي سادت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر — تلك التي كبّدت القوى الكبرى في القرن الماضي حربين عالميتين قبل بزوغ حركات التحرر.

غرينلاند: المعادن والملاذ المناخي

فقد الغطاء الجليدي في غرينلاند خمسة آلاف مليار طن منذ عام 2002، ما سيؤدي قريبًا إلى كشف مخزونات الزنك، والمعادن النادرة، واليورانيوم، والذهب. ويخلق الاحتباس الحراري فرصًا لم تكن متوقعة قبل خمسين عامًا، وهو الصانع الخفي لتفتت التحالفات الجيوسياسية بوتيرة متسارعة، على غرار تداعيات سقوط جدار برلين، ولكن بصورة أكثر نظامية وخطورة.

فبينما أدى سقوط الجدار إلى نهاية الحرب الباردة، يفاقم الاحتباس الحراري اليوم المواجهة بين الفاعلين العمالقة: الولايات المتحدة، الصين، أوروبا وروسيا.

إن الردود الأكثر وضوحًا على هذا الضغط العالمي — الذي يتجلى أيضًا عبر اضطراب المناخ الجامع بين موجات حرارة قصوى وبرد قطبي، كما هو الحال حاليًا في ثلث أراضي الولايات المتحدة — هي ردود شعبوية من أقصى اليمين. فهي تدعو إلى السلطوية السياسية المتسترة خلف قناع السيادة، ورفض المهاجرين، والحمائية التجارية، ونمو اقتصادي قائم على الكربون.

ولدى هذه القوى تفسيرَان لعدم المساواة الاجتماعية وتدهور الطبقات المتوسطة في بلدانها: استحواذ «الجنوب العالمي» بقيادة الصين على الموارد، و«الاستبدال العرقي الكبير» في الحواضر الكبرى. وبذلك ترى القوى القديمة أنها تخسر في آن واحد «المركز» و«الأطراف» في العالم. لقد دقّت ساعة الاسترداد: استرداد الأراضي والموارد، في سباق نحو «الملاذ المناخي» بقدر ما هو سباق لاستعادة القوة.

الجزائر: طرف خجول في المقاومة

بالطبع، هذا السيناريو الكارثي المستوحى من فيلم «ماد ماكس» ليس قدرًا محتومًا. فهناك قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي تتحرك وتقاوم. وأمام المخططات الإمبريالية ومنطق «كل فرد لنفسه»، أصبح التعاون متعدد الأطراف أكثر ضرورة من أي وقت مضى.

وهو تعاون حيوي لمواجهة التحدي العالمي للاحتباس الحراري وتداعياته على النشاط البشري فوق كوكب سيغدو العيش فيه أكثر صعوبة بعد قرن من الزمان.

تقف الجزائر، في هذه المرحلة، في الجانب الصحيح من التاريخ. لكنها ستكون أكسب للمستقبل لو ندّدت بشجاعة أكبر بحفّاري قبور القانون الدولي والنظام العالمي متعدد الأطراف، ولو تحمّلت بصورة أوضح دورها النشط في إنقاذه.