أنهى الرئيس عبد المجيد تبون مهام رئيس وزرائه، نذير العرباوي، الذي تولى منصبه منذ نوفمبر 2023. وسيتكفل بالمهام بالنيابة سيفي غريب، وزير الصناعة، الذي يرث منصباً أضعفه التاريخ المؤسساتي للبلاد.
لم تكن هذه المغادرة مفاجئة؛ فمنذ انتخاب تبون في ديسمبر 2019، تعاقب رؤساء الوزراء بوتيرة متسارعة، إذ بلغ متوسط مدة تولي المنصب حوالي سنة و11 شهراً فقط، بينما كان متوسط عمر رئيس الوزراء أكثر من ثلاث سنوات خلال عشرين سنة من عهد بوتفليقة.
ويُعد هذا التقلب الكبير أحد أبرز أعراض تآكل المنصب تدريجياً منذ إنشائه عام 1989 في صيغته ما بعد الحزب الواحد.
اعتادت السلطة الفعلية في الجزائر أن تقدم تنازلات مؤسساتية خلال فترات تصاعد الحراك الشعبي، ثم تسعى في السنوات التالية إلى تقليص تلك الصلاحيات.
وقد جسّد منصب رئيس الحكومة، المسؤول أمام المجلس الوطني ورئيس السلطة التنفيذية، بعد انتفاضة أكتوبر 1988 رغبة في حماية المنصب الرئاسي عبر منح صلاحيات سياسية غير مسبوقة لهيئة كانت موجودة بالفعل إدارياً: رئيس الوزراء.
عصر ذهبي غير متوقع
تجلّت الوظيفة فوراً سياسياً وعملت كمركز فعلي لإدارة الحكم أمام سلطة رئاسية مأزومة. رفض قاصدي مرباح، الذي أُقيل في سبتمبر 1989 لعدم تنفيذه الإصلاحات المنتظرة من الرئيس الشاذلي، مغادرة مكتبه لأكثر من أربع وعشرين ساعة.
وقاد مولود حمروش تجربة استقلالية حكومته النسبية لمدة اثنين وعشرين شهراً، حتى أمام وزير الدفاع خالد نزار، إلى حدود غير مسبوقة.
في مواجهة المجلس الأعلى للدولة، الذي أضعفه الرحيل المأساوي لمحمد بوضياف، جعلت عهدة بلعيد عبد السلام، التي استمرت عاماً واحداً، من رئاسة الوزراء مركزاً أساسياً للرد السياسي على التمرد الإسلامي. وبطريقة مغايرة، جسّد رضا مالك الدور نفسه.
لقد ساهم ابتكار منصب رئيس الحكومة في أول دستور تعددي للجزائر مساهمة كبيرة في الحفاظ على الصرح المؤسساتي خلال عاصفة السنوات اللاحقة.
أدى إعلان استقالة اليمين زروال في 11 سبتمبر 1998 إلى إطالة أمد أزمة المنصب الرئاسي إلى ما بعد العشرية السوداء. واستمر رئيس الحكومة في أداء دور مهم في السلطة التنفيذية، لكن أيامه كرئيس للسلطة التنفيذية كانت معدودة.
بوتفليقة يعيد الرئاسية المُفرطة
ينص دستور فبراير 1989، المعدل عام 1997، على أن يقترح رئيس الحكومة الوزراء ويعينهم رئيس الجمهورية. فتحت هذه الصلاحية المشتركة باباً للتأويلات.
بعد ستة أشهر من انتخابه في أبريل 1999، وقع أول صدام بين بوتفليقة وهيئة أركان الجيش الوطني الشعبي. وصرّح الرئيس لوكالة رويترز بأنه مُنع من تشكيل حكومته وأطلق عبارته الشهيرة: «لا أريد أن أكون رئيساً بثلاثة أرباع».
بدأت حينها عملية استعادة السيطرة الرئاسية المفرطة. لم يستسلم شاغلو قصر الحكومة بسهولة. قام أحمد بن بيتور في أوت 2000 بأقوى بادرة دفاع عن صلاحياته الدستورية التي جرى تجاهلها من قبل الرئاسة وفريق من المستشارين الاقتصاديين (بن شنهو، تمار، خليل) شديدي التدخل. فاستقال بن بيتور.
وخلفه علي بن فليس، الذي ساهم من قصر المرادية في إضعاف المنصب، ثم أصبح منافساً للرئيس ودخل مسار انشقاق سياسي. كانت هناك آنذاك حياة سياسية في قصر الحكومة. لكن فقدان الحيوية استغرق بضع سنوات أخرى، وهي سنوات “حكومات الأغلبية الرئاسية”.
في تلك الفترة، كان رئيس الحكومة غالباً رئيس حزب، إما من جبهة التحرير الوطني أو من التجمع الوطني الديمقراطي، ليضمن للرئيس انسجاماً برنامجياً، مع إمكانية إضافة لمسة خاصة، كما فعل أحمد أويحيى مراراً.
ظلت وظيفة رئيس الحكومة أداة ضغط غير مباشرة للجيش على طموحات الرئيس المطلقة. لكن بوتفليقة أنهى ذلك بتعديل دستور 2008، الذي فتح الطريق للرئاسة مدى الحياة، وحذف لقب رئيس الحكومة وجزءاً من صلاحياته.
المرض الرئاسي: فترة استثنائية
على الرغم من تراجع صلاحيات المنصب، عاد دور رئيس الوزراء إلى الواجهة حين ملأ جزئياً الفراغ المؤسساتي الذي خلفه غياب الرئيس منذ ربيع 2013.
لم يكن عبد المالك سلال يمتلك مكانة سياسية كالتي عرفها رؤساء الحكومات في أوائل التسعينيات، لكنه شغل الساحة وجسّد عمل السلطة التنفيذية. كان ذلك أهون الشرور لمنصب كان من المفترض أن يتلاشى خلف هيمنة الرئيس. بل إن سلال وأويحيى جسّدا صورة الدولة الجزائرية دولياً خلال الولاية الرابعة “الشبحية”.
حتى بعد إضعافه، استمر المنصب في تقديم خدمات للجمهورية في أوقات الأزمات، أحياناً خارج النص الدستوري. لكن التجربة القصيرة لعبد المجيد تبون في 2017 برهنت أن السلطة الحقيقية لا تزال في المرادية.
دستور 2020 «يبتكر»
حاول دستور 1 نوفمبر 2020 حل معضلة منصب رئيس الوزراء. فمنذ البداية كان المنصب مرتبطاً بشكل غير مباشر بالاقتراع الشعبي: إما أن يأتي من الأغلبية البرلمانية أو ينال ثقتها.
«ابتكرت» لجنة عرّاب المراجعة الدستورية حلاً يقوم على الفصل بين الحالتين:
- إذا كانت الأغلبية برلمانية موالية للرئيس، فإنه يعين رئيس وزرائه لتنفيذ برنامجه (المادة 105).
- أما إذا كانت الأغلبية معارضة، فيعيّن الرئيس رئيس حكومة من تلك الأغلبية (المادة 110).
لكن هذا السيناريو ظل افتراضياً، إذ لم يُنظر إليه حتى كحل سياسي للحراك الشعبي (2019-2021). وهكذا، لم يبق سوى آلية تجعل قصر الحكومة مجرد سكرتارية خارجية للرئاسة.
ممنوع حتى من الصور في التلفزيون
يشكل تقليص صلاحيات رئيس الوزراء إصلاحاً مؤسساتياً مضاداً بدأ منذ عقود، لكنه واجه عراقيل. حتى اليوم، لم يُلغَ بندان أساسيان:
- رئيس الوزراء يقترح الوزراء على رئيس الجمهورية.
- وهو مسؤول أمام البرلمان الذي يمنحه الثقة.
لكن البند الأول لا يُحترم عملياً، إذ صار رئيس الوزراء بلا سلطة على تشكيلته الوزارية. أما البند الثاني فيُطبّق شكلياً فقط، مع برلمان مُختار مسبقاً.
وقد تعززت “الرئاسية المفرطة” أكثر في عهد تبون، مع اختيار شخصيات باهتة سياسياً لرئاسة الحكومة. حتى اجتماع “مجلس الحكومة” صار يسمى “اجتماع الحكومة”، ويُمنع التلفزيون من تصويره.
يكتفي الإعلام بقراءة بيان على خلفية صورة ثابتة لمبنى قصر الحكومة، وكأن مجرد إظهار الاجتماع يزعج النظام الرئاسي المفرط.
لكن لهذا التلاشي السياسي ثمن: فقدان المنصب قدرته على لعب دور “صمام الأمان” في الأوقات العصيبة. فقد كان ذلك ممكناً حتى مع آخر رؤساء وزراء بوتفليقة الذين تقبّلوا خيار القمع الاجتماعي. فمن يتذكر عبد العزيز جراد؟ ومن سيعتبر أن نذير العرباوي كان صانع قرار فعلياً؟