تحتاج التحولات الاقتصادية الكبرى إلى معلومات مالية يمكن الوثوق بها. فالمؤسسة التي تسعى إلى التمويل، والمستثمر الذي يدرس مشروعًا، والبنك الذي يقدّر مخاطر الائتمان، والدولة التي تمنح امتيازًا أو تعبّئ موارد جبائية، يحتاجون جميعًا إلى حسابات تعكس النشاط الاقتصادي بدرجة كافية من المصداقية والشفافية.
في هذا السياق، تكتسي المادة 205 من مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية تتجاوز تعديل التزام محاسبي. فهي تقترح، وفق القراءة التي تقدمها الدراسة الاستراتيجية للغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات، توسيع نطاق التصديق القانوني على حسابات الشركات التجارية، وإلغاء الإعفاء المرتبط بالمؤسسات ذات الشخص الوحيد وذات المسؤولية المحدودة والشركات ذات المسؤولية المحدودة، بما يشمل إزالة عتبة رقم الأعمال البالغة عشرة ملايين دينار.
إننا أمام مشروع لإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسة والمعلومة المالية والرقابة المستقلة. ولهذا، فإن النقاش المسؤول ينبغي أن يتناول الغاية الاقتصادية للإصلاح، وحجم المؤسسات المعنية به، وقدرة المهنة على استيعابه، والشروط التي تجعل تقرير محافظ الحسابات مصدرًا فعليًا للثقة.
وتظل هذه القراءة متعلقة بالنص المقترح كما تناولته الدراسة المؤرخة في 21 أكتوبر 2026؛ فالمادة ما تزال ضمن مشروع قانون خاضع للمناقشة والتعديل، ولا يجوز تقديم أحكامها باعتبارها التزامًا جديدًا نافذًا قبل استكمال مسار اعتمادها ونشرها.
من عتبة الإعفاء إلى اتساع المسؤولية المالية
تستعرض الدراسة المسار التشريعي للمادة 12 من الأمر رقم 05-05 المؤرخ في 25 جويلية 2005، المتضمن قانون المالية التكميلي لسنة 2005، والتعديلات المرتبطة بقانوني المالية لسنتي 2010 و2011. وتضع المادة 205 المقترحة هذا المسار أمام توجه جديد، قوامه توسيع التصديق على الحسابات ليشمل الشركات التجارية المعنية بأحكام القانون التجاري.
وقد استهدف الإعفاء، في أصله، تخفيف الأعباء عن المؤسسات الصغيرة. غير أن تقييم أي إعفاء يستلزم مراجعة آثاره مع مرور الزمن: هل بقي أداة لتيسير النشاط؟ وهل ظل متناسبًا مع بنية المؤسسات؟ وهل نشأت حوله ممارسات تقلّص أثره الاقتصادي الإيجابي؟
وبحسب عرض الأسباب الذي تنقله الدراسة، يستهدف المشروع معالجة ممارسات تتصل باستعمال الشكل القانوني أو تخفيض رقم الأعمال المصرّح به لتفادي التصديق على الحسابات.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين الاستفادة القانونية من إعفاء قائم، وهي لا تشكل في ذاتها مخالفة، وبين تقديم بيانات غير صحيحة بقصد الإفلات من الالتزامات. كما أن اختيار شكل الشركة ذات المسؤولية المحدودة أو المؤسسة ذات الشخص الوحيد يظل خيارًا مشروعًا، ولا يكفي بمفرده للاستدلال على وجود تحايل.
إن معالجة الاختلال ينبغي أن تنصبّ على السلوك المثبت وعلى جودة البيانات، مع الحفاظ على حقوق المؤسسة واحترام قرينة سلامة تصرفاتها.
ما الذي يمكن أن يضيفه التصديق إلى الاقتصاد؟
تتمثل القيمة الاقتصادية للتدقيق المستقل في تقليص فجوة المعلومات بين المؤسسة والأطراف التي تتعامل معها.
فالحسابات التي تخضع لتدقيق مهني جاد تساعد البنك على فهم الوضعية المالية للمقترض، وتمكّن الشركاء من تقييم الأداء، وتمنح الدائنين أساسًا أوضح لتقدير المخاطر، وتدعم قرارات الاستثمار والتعاقد.
وتبرز هذه المنفعة أيضًا في المؤسسات ذات الشخص الوحيد. فعندما يجتمع التسيير والملكية في شخص واحد، قد تكون الحاجة إلى حماية شركاء آخرين محدودة، لكن مصالح البنوك والموردين والأجراء والخزينة العمومية تظل قائمة.
كما يمكن لتوسيع التدقيق أن يدعم انتظام المحاسبة وفق النظام المحاسبي المالي، ويحسّن توثيق العمليات، ويكشف أوجه ضعف الرقابة الداخلية، ويعزز تتبع التدفقات المالية.
غير أن هذه المنافع تظل مرتبطة بجودة العمل المنجز. فرأي محافظ الحسابات يوفّر تأكيدًا معقولًا في نطاق مهمته ومعاييره، ولا يشكل ضمانًا مطلقًا لخلو المؤسسة من كل غش أو تعثر، كما لا يحل محل مسؤوليات المسير أو صلاحيات الإدارة الجبائية وأجهزة الرقابة المختصة.
أرقام تكشف حجم التحول المنتظر
تورد الدراسة أن عدد المتعاملين المسجلين في السجل التجاري بلغ 2,419,913 متعاملًا في 10 ديسمبر 2025، من بينهم 274,356 شخصًا معنويًا، استنادًا إلى معطيات منسوبة إلى وزارة التجارة الداخلية ومنقولة ضمن مصادرها.
وهذا الرصيد لا يساوي تلقائيًا عدد الشركات النشطة التي ستدخل حديثًا في نطاق التدقيق؛ إذ ينبغي استبعاد المؤسسات الخاضعة أصلًا، وتحديد وضعية الشركات المتوقفة أو غير النشطة، وضبط التوزيع بحسب الشكل القانوني ورقم الأعمال.
وانطلاقًا من فرضيات تتعلق بهذا التوزيع، تقدّر الدراسة عدد الشركات التي قد يشملها التوسع الجديد بنحو 165 ألفًا إلى 190 ألف شركة، مع اعتماد سيناريو منخفض يبلغ 120 ألف شركة نشطة.
هذه تقديرات استشرافية وليست إحصاءً نهائيًا للمؤسسات المعنية. وتثبيتها يقتضي مطابقة بيانات المركز الوطني للسجل التجاري مع معطيات المديرية العامة للضرائب والجدول المهني.
وتلك أولى متطلبات الإصلاح: أن تُبنى قرارات التنفيذ على قاعدة بيانات مشتركة، تحدد عدد المؤسسات، ونشاطها، ومواقعها، وأحجامها، واحتياجاتها الفعلية من التدقيق.
قدرة المهنة: الحساب الذي يجب أن يسبق التعميم
تستند الدراسة إلى فرضية تتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف مهني نشط، وتعرض ثلاثة سيناريوهات لقياس العبء الإضافي.
في السيناريو المنخفض، يعني توزيع 120 ألف مهمة جديدة على ثلاثة آلاف مهني إضافة 40 عهدة لكل مهني. وفي السيناريو المركزي، ترتفع الإضافة إلى 66 عهدة عند توزيع 165 ألف مهمة على 2,500 مهني. أما السيناريو المرتفع، فيبلغ 95 عهدة إضافية لكل مهني عند احتساب 190 ألف مهمة وألفي مهني.
وبفرضية حسابية قدرها 25 ساعة عمل لكل مهمة سنويًا، تصبح الأعباء الإضافية ألف ساعة، ثم 1,650 ساعة، ثم 2,375 ساعة لكل مهني، بحسب السيناريو.
ولا تمثل الساعات الخمس والعشرون معيارًا مهنيًا ثابتًا؛ فالوقت اللازم يتحدد وفق المخاطر وتعقيد النشاط وجودة التنظيم والمحاسبة. كما أن هذه المحاكاة لا تعوّض قياس قدرات فرق العمل داخل المكاتب. لكنها تكشف أن توسيع الالتزام بهذه الأحجام يستدعي تغييرًا في التنظيم والوسائل والموارد البشرية.
فالمطلوب من محافظ الحسابات ليس توقيع عدد أكبر من التقارير، بل التخطيط للمهمة، وجمع أدلة كافية وملائمة، والإشراف على المتعاونين، وممارسة الحكم المهني، وتوثيق الأساس الذي بُني عليه الرأي.
تكلفة التدقيق وعدالة الالتزام
تضع الدراسة فرضية استرشادية لأتعاب سنوية تتراوح بين 150 ألفًا و300 ألف دينار لبعض الكيانات الصغيرة. وعند رقم أعمال قدره عشرة ملايين دينار، تعادل هذه الفرضية نسبة تتراوح بين 1.5 و3 في المائة.
وهذه الأرقام ليست تسعيرة نافذة ولا تقديرًا يصلح لكل مؤسسة. لكنها تبرز ضرورة دراسة العبء النسبي على المؤسسات الأصغر، لأن التكلفة نفسها تصبح أثقل كلما انخفض حجم النشاط.
ومن هذا المنطلق، تقترح الدراسة إعداد حد أدنى للأتعاب يراعي حجم المؤسسة وخصائص المهمة. ويستحق هذا المقترح بحثًا تنظيميًا واقتصاديًا دقيقًا، يضمن تمويل العمل المهني الضروري ويأخذ في الحسبان قدرة المؤسسات على الامتثال.
كما ينبغي أن يقترن ضبط الأتعاب بمراقبة الخدمة المؤداة؛ فارتفاع المقابل لا يثبت وحده جودة التدقيق، وانخفاضه لا يغني عن فحص الأعمال المنجزة. المرجع الحاسم هو وجود إجراءات مهنية موثقة وأدلة تدعم الرأي الصادر.
التناسب في الإجراءات مع الحفاظ على قوة الرأي
توصي الدراسة بإعداد إطار لتدقيق الكيانات الصغيرة أو الأقل تعقيدًا، يستلهم التوجهات المهنية الدولية ذات الصلة.
ويقوم هذا التصور على تكييف برنامج العمل مع مخاطر المؤسسة وخصائصها: طبيعة الإيرادات، وحركة الصندوق والبنوك، ووجود الأصول، واكتمال الالتزامات، والعمليات مع الأطراف ذات العلاقة، ومدى اتساق المحاسبة مع التصريحات والوثائق المؤيدة.
فالمؤسسة المحدودة العمليات تحتاج إلى برنامج مناسب لبنيتها، مع المحافظة على متطلبات الاستقلال، والشك المهني، وكفاية الأدلة، وتوثيق الاستنتاجات.
كما أن صغر الحجم لا يعني دائمًا انخفاض المخاطر؛ فقد تتسم مؤسسة صغيرة بمعاملات نقدية كثيفة أو تداخل شديد بين أموال المسير وأموال الشركة. ولذلك يجب أن يحكم التناسبَ تقييمُ المخاطر والتعقيد، إلى جانب مؤشرات الحجم.
وتفيد المقارنة الدولية التي تعرضها الدراسة بأن نطاق الإلزام وجودة التدقيق مسألتان ينبغي التمييز بينهما. فاختيار الجزائر توسيع النطاق يمكن تبريره بخصائص اقتصادها واحتياجات الشفافية فيه، على أن يستند التنفيذ إلى معايير مهنية مناسبة.
رزنامة واضحة تحمي قابلية التطبيق
تقترح الدراسة تطبيقًا مرحليًا يبدأ بالشركات التي يتجاوز رقم أعمالها خمسة ملايين دينار بالنسبة إلى حسابات سنة 2027، ثم يشمل بقية الشركات ابتداءً من حسابات سنة 2028.
وهذا مقترح للمناقشة، وليس رزنامة مقررة. وتكمن أهميته في منح المؤسسات والمهنة والإدارات المعنية مهلة للتحضير.
وينبغي أن يحدد النص النهائي صراحة أول سنة مالية معنية، وآجال التعيين، وكيفية معالجة الحالات الانتقالية، ووضعية الشركات غير النشطة، والحلول المتاحة عند تعذر إيجاد مهني متاح رغم اتخاذ المؤسسة الإجراءات اللازمة.
إن وضوح هذه التفاصيل يحمي الأمن القانوني ويحد من النزاعات، ويمنع تحوّل صعوبات الانتقال إلى موجة من المخالفات الشكلية.
جدول مهني موثوق ومسار رقمي قابل للتحقق
تمنح الدراسة أولوية لتطهير الجدول المهني وتحيينه، وإتاحة التحقق من صفة محافظ الحسابات قبل تعيينه.
كما تقترح منصة مترابطة مع المركز الوطني للسجل التجاري، تسمح بتسجيل التعيين، والتحقق من أهلية المهني، وإسناد رقم تعريفي للعهدة يُدرج في التقرير.
ومن شأن هذا المسار، إذا أُحسن تنظيمه، أن يدعم تتبع المهام، ويساعد على رصد حالات انتحال الصفة أو استعمال التوقيعات، ويوفر معطيات عن توزيع العهدات.
وتقترح الدراسة أيضًا ربط إيداع الحسابات بتقديم تقرير محافظ حسابات مؤهل. ويقتضي تنفيذ هذا التوجه تحديد السند القانوني والإجراءات والاستثناءات الانتقالية وضمانات معالجة الأعطال.
ومن الضروري التمييز بين وجود تقرير تدقيق وإبداء رأي خالٍ من التحفظات. فقد يتضمن التقرير تحفظًا أو رأيًا معارضًا أو امتناعًا عن إبداء الرأي بحسب الأدلة والظروف. ولا ينبغي أن تتحول آلية الإيداع إلى ضغط يدفع نحو رأي إيجابي مهما كانت حقيقة الحسابات.
مسؤولية متبادلة ورقابة على الجودة
وتقترح الدراسة تدرجًا في الجزاءات، يبدأ بالتنبيه والإعذار خلال الانتقال، ثم يتطور إلى تدابير متناسبة مع حجم المؤسسة واستمرار الإخلال، ضمن ما يقرره القانون.
وفي المقابل، يتعين أن تواجه التقارير الصادرة دون أعمال كافية رقابة مهنية فعلية. ويقتضي ذلك فحص ملفات العمل، والتحقق من الاستقلال، وتقييم قدرة المكتب على الإشراف، واحترام حقوق الدفاع في الإجراءات التأديبية.
كما يستحق تركّز العهدات متابعة خاصة. فالعدد وحده لا يثبت التقصير، لكنه يصبح مؤشرًا مهمًا عند مقارنته بالموارد البشرية وساعات العمل وتعقيد المؤسسات ومواعيد التقارير.
خطة لتأهيل المهنة وقياس أثر الإصلاح
تقترح الدراسة خطة للفترة 2027–2029 تشمل تعزيز الموارد البشرية ضمن شروط التأهيل، وتشجيع التنظيم الجماعي للمكاتب، وتطوير ملفات العمل الرقمية، وتوسيع التكوين المستمر، وتكثيف الرقابة على الجودة.
ويمكن للأدوات الرقمية أن تقلص الوقت المخصص للعمليات المتكررة وتدعم تحليل البيانات، شريطة حماية السرية والتحقق من النتائج وبقاء الحكم المهني تحت مسؤولية محافظ الحسابات.
أما نجاح الإصلاح، فينبغي تقييمه بعد سنتين ماليتين من التطبيق، وفق مؤشرات تتجاوز عدد التقارير: نسبة المؤسسات الممتثلة، وجودة الملفات، والأتعاب الفعلية، وتوزيع العهدات، وتطور التصريحات، وصعوبات التنفيذ.
ويجب أن يُقرأ أي تغير في رقم الأعمال المصرح به أو الإيرادات الجبائية في ضوء عوامل أخرى، مثل النمو والأسعار وتغير التشريع وشدة الرقابة. فالتقييم الرصين يقيس أثر التدقيق دون أن ينسب إليه نتائج لا تثبتها البيانات.
إن المادة 205 تفتح فرصة مهمة لتعزيز موثوقية الحسابات في الاقتصاد الوطني. ومساندة هذا التوجه تقتضي توفير شروط نجاحه: رزنامة واضحة، ومعايير مناسبة، وموارد مؤهلة، وأتعاب تسمح بالعمل، وجدولًا مهنيًا موثوقًا، ورقابة فعالة على الجودة.
وتتحمل الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات، في هذا الورش، مسؤولية اقتراح الحلول وتأهيل المهنة والدفاع عن المصلحة العامة المرتبطة بصدقية المعلومة المالية.
فالقيمة الحقيقية للإصلاح ستظهر عندما تستطيع المؤسسة أن تقدم حساباتها بثقة، ويستطيع الشريك أن يعتمد عليها بوعي، ويجد محافظ الحسابات الوسائل والاستقلال اللازمين لإسناد رأيه إلى أدلة. عندها يصبح توسيع التصديق استثمارًا في جودة الاقتصاد وقدرته على النمو.
المصدر: الدراسة الاستراتيجية للغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات، المؤرخة في 21 أكتوبر 2026.


