خبير جزائري يحذر: “غياب مخابر الفيروسات يُهدد مستقبل 270 ألف بقرة بمشروع بلدنا”

5 min de lecture

في لقاء ضم نخبة من الكفاءات العلمية الجزائرية بالخارج مع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، ضمن أشغال المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، وجّه البروفيسور يحيى شبلون، عالم الفيروسات وتطوير اللقاحات، رسالة تحذير اقتصادية بخصوص أحد أضخم المشاريع الفلاحية في الجزائر، مشروع تربية الأبقار وإنتاج الحليب بولاية أدرار، معتبرًا أن غياب مخابر مرجعية ذات معايير دولية للكشف عن الفيروسات يضع استثمارًا بمليارات الدولارات أمام مخاطر حقيقية.

“بلا لقاحات دقيقة.. المشروع في خطر”

وأوضح البروفيسور شبلون أن قطيعًا يضم 270 ألف رأس من الأبقار المستوردة من الولايات المتحدة الأمريكية يستوجب تغطية لقاحية دقيقة وشاملة، محذرًا من أنه في غياب هذه التغطية، فإن إصابة بقرة واحدة بفيروس معدٍ كفيلة بنقل العدوى إلى بقية القطيع، بما قد يعرّض استثمارًا وصفه بأنه يقارب خمس مليارات دولار لخسائر كبرى. وشدد الخبير على أن الجزائر لا تتوفر حاليًا على مخابر بمعايير جودة دولية قادرة على تحديد نوعية الفيروسات والبكتيريا المنتشرة محليًا بدقة، وهو ما يجعل توفير لقاحات مضادة “مئة بالمائة” لهذه العوامل الممرضة أمرًا غير ممكن في الوقت الراهن.

وتأتي هذه التصريحات في سياق مسار سبق أن عبّر خلاله البروفيسور شبلون، بحكم تجربته في مرافقة مشاريع تأهيل المخابر المرجعية بالجزائر، عن ضرورة امتلاك البلاد لأدوات تشخيص فيروسي متطورة، باعتبارها شرطًا أساسيًا لأي استثمار كبير في الثروة الحيوانية، تفاديًا لتكرار سيناريوهات تفشي الأوبئة الحيوانية التي شهدها العالم.

كلفة الأوبئة الحيوانية عالميًا: أرقام تؤكد حجم التحدي

تؤكد المعطيات الدولية وجاهة هذا التحذير، فمرض الحمى القلاعية وحده، وهو من أخطر الأمراض الفيروسية التي تصيب الأبقار، يتسبب في خسائر سنوية تتراوح بين 6.5 و21 مليار دولار عالميًا جرّاء تراجع الإنتاج وتكاليف التلقيح في المناطق الموبوءة، بحسب دراسات علمية دولية، فيما قدّرت تقارير أخرى أن تفشيًا واحدًا لهذا المرض في الولايات المتحدة قد يكبّد الاقتصاد خسائر تصل إلى 188 مليار دولار في غياب استراتيجية لقاحية استباقية، مقابل تراجعها إلى نحو 56 مليار دولار في حال اعتماد برنامج تلقيح طارئ فعّال.

أما على مستوى السوق العالمية، فمن المرتقب أن يبلغ حجم سوق اللقاحات البيطرية عمومًا نحو 10.44 مليار دولار خلال 2026، فيما تُقدَّر السوق الخاصة بلقاحات الحمى القلاعية وحدها بما يقارب 1.4 مليار دولار في أفق 2033. وبخصوص داء البروسيلات، وهو مرض بكتيري ينتقل بين الحيوان والإنسان ويشكل تهديدًا مباشرًا لقطعان الأبقار الحلوب، تشير التقديرات إلى أن السوق العالمية للقاحاته ستصل إلى نحو 425 مليون دولار بحلول 2035، في ظل توسع برامج التلقيح الحكومية حول العالم.

وتجدر الإشارة إلى أن الجهة المرجعية دوليًا في رصد وتصنيف الأمراض الحيوانية العابرة للحدود، ومنها الحمى القلاعية، هي المنظمة العالمية لصحة الحيوان (المعروفة سابقًا بالمكتب الدولي للأوبئة الحيوانية)، التي تفيد بيانات صادرة عنها بأن هذا الفيروس ينتشر لدى نحو 77 بالمائة من الثروة الحيوانية العالمية، خصوصًا في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.

مشروع “بلدنا” بأدرار: الشراكة الجزائرية القطرية في أرقام

يندرج تحذير البروفيسور شبلون في سياق متابعة مشروع “بلدنا الجزائر”، الثمرة الاستثمارية للشراكة بين الجزائر وقطر في ولاية أدرار جنوب البلاد، والذي يُعد من أكبر المشاريع الفلاحية الصناعية المتكاملة في إفريقيا والعالم العربي. ويقوم المشروع، الذي يمتد على مساحة تفوق 117 ألف هكتار، على استثمار إجمالي يقدَّر رسميًا بـ3.5 مليار دولار، موزّع بين شركة “بلدنا” القطرية المالكة لـ51 بالمائة من رأسماله، والصندوق الوطني للاستثمار الجزائري بحصة 49 بالمائة.

ويستهدف المشروع في طاقته الكاملة تكوين قطيع يبلغ 270 ألف رأس من سلالة “هولشتاين فريزيان” الأمريكية، لإنتاج نحو 1.7 مليار لتر من الحليب سنويًا، وما يقارب 194 ألف طن من مسحوق الحليب في أفق 2033، بما يغطي نصف احتياجات السوق الجزائرية تقريبًا. وقد دخل المشروع مؤخرًا مرحلة تنفيذية حاسمة، مع الشروع في نقل الدفعة الأولى من 30 ألف بقرة عبر 109 رحلات جوية من تسع ولايات أمريكية، ضمن عقود تتجاوز قيمتها 635 مليون دولار، في عملية وُصفت بأنها من أكبر جسور النقل الجوي للماشية المنظمة عالميًا.

وفي ظل هذا الحجم الاستثماري والعدد الكبير للقطيع المستهدف، يكتسب تحذير الخبراء بشأن ضرورة توفير بنية تحتية وطنية لرصد الفيروسات وتطوير اللقاحات البيطرية أهمية مضاعفة، باعتبارها شرطًا لضمان استدامة هذا الاستثمار الاستراتيجي وحماية الأمن الغذائي الذي يراهن عليه.

ÉTIQUETTES :
Partager cet article