آلاف القاصرين المغربيين والجزائريين «مفقودون» في إسبانيا بعد مغادرتهم مراكز الاستقبال

من بين 7945 ملفاً لقاصرين أجانب مُبلغ عن اختفائهم وما زالت قضاياهم نشطة في إسبانيا حتى إغلاق الحصيلة الرسمية الأخيرة، يمثل المواطنون المغربيون أغلبية ساحقة بواقع 4516 ملفاً مفتوحاً، أي ما يعادل 56.8% من الإجمالي العام. وفي السياق ذاته، يشكل القاصرون من الجنسية الجزائرية ثاني أكبر تجمع للملفات بـ 887 بلاغاً نشطاً.

6 min de lecture
قاصرون أجانب غير مصحوبين بذويهم في برشلونة

بناءً على هذه الأرقام، يركز الطرفان المغربي والجزائري وحدهما على ما يقرب من 70% من إجراءات البحث والتحري التي تتابعها قوات الأمن الإسبانية على كامل تراب المملكة. وراء هذه البيانات الصادرة عن المركز الوطني للمفقودين، تحرص وزارة الداخلية الإسبانية على الفصل الصارم والتمييز الدقيق بين هذه الفئة وحالات الاختفاء التقليدية أو ذات الطابع الإجرامي. فهؤلاء آلاف الشباب، المصنفون إدارياً وقانونياً تحت مسمى «القاصرين المتغيبين»، لا يُنظر إليهم عموماً كضحايا لعمليات اختطاف أو اختفاء قسري، بل يتعلق الأمر في معظم الحالات بقاصرين غادروا طواعية وبمحض إرادتهم بنيات الحماية والرعاية التي أُوكلوا إليها عقب وصولهم إلى الأراضي الإسبانية.

خريطة جغرافية ترتبط بمناطق الوصول ومرحلة المراهقة

يظهر تحليل الإحصاءات الرسمية أن هذه الظاهرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسارات الهجرة الرئيسية المؤدية إلى إسبانيا، فضلاً عن تمحورها حول فئة عمرية محددة للغاية، إذ إن أكثر من 70% من هؤلاء القاصرين المتغيبين كانت تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عاماً عند فتح ملفاتهم. هذا التركيز الواضح في صفوف المراهقين الأكبر سناً يشير بأن الكثير منهم يمتلكون بالفعل مشروع هجرة مستقل نسبياً منذ لحظة وصولهم.

وعلى الصعيد الجغرافي، تستأثر مقاطعة قادس وحدها بنصف الحالات الوطنية تقريباً بواقع 3726 ملفاً، أي ما يمثل 46.9% من القضايا المسجلة. وتأتي بعد ذلك مقاطعة لاس بالماس بـ 863 حالة، ثم غرناطة بـ 687 حالة، تليها ألمرية بـ 528 حالة، ومرسية بـ 504 حالة. ويتطابق هذا التوزيع الجغرافي تماماً مع نقاط الوصول الرئيسية للقوارب التي تحمل المهاجرين من شمال إفريقيا أو عبر السواحل الإفريقية الأطلسية. كما أن الحضور المكثف للقاصرين المغربيين والجزائريين في هذه البيانات يفسره أيضاً وزنهم العددي الكبير ضمن فئة القاصرين غير المصحوبين الذين تتكفل بهم أجهزة الرعاية الإسبانية.

ثلاثة عوامل رئيسية وراء المغادرة الطوعية

تتداخل عدة ديناميات لتفسير الأسباب التي تدفع هؤلاء اليافعين إلى اتخاذ قرار مغادرة المراكز التي وُضعوا فيها. ويكمن العامل الأول في التشبع المزمن الذي تعاني منه بعض مراكز الاستقبال، حيث تواجه المقاطعات الساحلية في جنوب إسبانيا وجزر الكناري تدفقات دورية تضع قدرات الإيواء تحت ضغط شديد، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى الاكتظاظ وتراجع الظروف المادية أو فرض قيود قد تدفع الشباب إلى تقليص مدة إقامتهم وتفضيل المغادرة الفورية.

أما العامل الثاني فيتعلق بالسعي وراء استكمال مشروع هجرة سري مسبق الصنع، إذ لا يرى العديد من القاصرين في مركز الاستقبال سوى محطة مؤقتة وإلزامية، ويكون هدفهم الفعلي هو الالتحاق بأقارب أو معارف مستقرين في الحواضر الإسبانية الكبرى وخاصة مدريد وبرشلونة، أو حتى مواصلة مسارهم نحو دول أوروبية أخرى مثل فرنسا وبلجيكا وألمانيا.

ويتمثل العامل الثالث في استشراف مرحلة الدخول في الحياة العملية مع الاقتراب من سن الرشد القانوني، ففي مواجهة الإجراءات الإدارية التي تتسم أحياناً بالطول والتعقيد، يسعى بعض الشباب إلى الولوج السريع لسوق العمل غير الرسمي بغية تلبية احتياجاتهم الشخصية أو تقديم الدعم المالي لعائلاتهم في بلدانهم الأصلية.

أسباب بقاء الأرقام المفتوحة مرتفعة

لا يعكس الحجم الإجمالي البالغ 7945 ملفاً نشطاً بالضرورة طفرة مفاجئة أو قفزة حديثة في الظاهرة، فالإحصاءات الرسمية تشير إلى أن 183 ملفاً جديداً فقط فُتحت خلال عام 2025 هي التي لا تزال نشطة حتى تاريخ صدور الحصيلة. ويعود الجزء الأكبر من هذا الرقم الإجمالي إلى تراكم بلاغات قديمة جرى الاحتفاظ بها في قواعد البيانات الأمنية، ومن ذلك أن 3116 ملفاً فُتحت في عام 2018 لا تزال نشطة تقنياً حتى اليوم، وينطبق الأمر ذاته على 1077 ملفاً تعود لعام 2019 و813 ملفاً فُتحت في عام 2017.

وتفسر الإجراءات القانونية هذا التراكم، فعندما يغادر قاصر مركز الاستقبال دون إذن مسبق، يلتزم المسؤولون عن المنشأة قانوناً بإبلاغ السلطات عن اختفائه لإخلاء مسؤوليتهم الإدارية والقانونية. وطالما لم يتم تحديد موقع الشاب رسميًا أو التعرف على هويته من قبل الجهات المختصة، يظل الملف مسجلاً في أنظمة البحث الوطنية والأوروبية. ومن المحتمل جداً أن يتم العثور على جزء من هؤلاء الشباب بعد مرور سنوات في مناطق إسبانية أخرى أو في بلدان مختلفة داخل الاتحاد الأوروبي، ولكن في غضون ذلك، تظل المساطر نشطة مما يساهم في إبقاء الحجم الكلي للملفات المفتوحة مرتفعاً.

تحدي متابعة إدارية وتأصيل أكاديمي للظاهرة

تقدم العديد من الدراسات البحثية إضاءة مكملة لفهم أبعاد هذه الظاهرة من خلال التركيز على الفجوة الهيكلية بين آليات الحماية الرسمية والمسارات الفعلية لهؤلاء الشباب. وفي هذا الصدد، تؤكد دراسة صادرة عن مركز برشلونة للشؤون الدولية (CIDOB) أن عبور مراكز الاستقبال لا يمثل بالنسبة لقطاع واسع من القاصرين غاية في حد ذاته، بل مجرد مرحلة انتقالية ضمن مشروع هجرة متكامل جرى التخطيط له والبدء فيه حتى قبل الوصول إلى الأراضي الإسبانية. ومن هذا المنطلق، لا تصنف هذه المغادرات الطوعية كحالات اختفاء بمعناها الجنائي الدقيق، وإنما تندرج في سياق منطق «الحركية المستمرة» والبحث المتواصل عن الاستقرار، حيث يتجه بعض هؤلاء الشباب للانضمام إلى شبكات عائلية أو مجتمعية قائمة بالفعل في إسبانيا أو في دول أوروبية أخرى، وهو ما يزيد من تعقيد المتابعة الإدارية ويسهم في إبقاء ملفات البحث مفتوحة لفترات طويلة.

بناءً على ذلك، يتضح أن الرهان الأساسي بالنسبة للسلطات الإسبانية ليس مواجهة موجة اختطاف أو اختفاء إجرامي، بل يكمن في إدارة ومتابعة آلاف القاصرين المنخرطين في مسارات هجرة ذاتية وعابرة للحدود. وتضع هذه الإحصاءات والدراسات الميدانية الإصبع على حدود أنظمة الرعاية وآليات التنسيق الأوروبية في التعامل مع جيل من الشباب يعتبر مراكز الإيواء، منذ لحظة وصوله، محطة مؤقتة في مشروع هجرة يتجاوز بكثير الحدود الجغرافية لإسبانيا.

Partager cet article