يشير التقرير إلى أن دخول اللائحة الأوروبية (UE 2026/261) حيز التنفيذ، والتي تنظم الإنهاء التدريجي لواردات الغاز الروسي، بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال، يقلص هامش الأمان الذي تمتعت به أوروبا خلال السنوات الماضية.
وتوضح السيناريوهات التي اعتمدتها “كي بي إم جي إسبانيا” أن مستويات ملء منشآت التخزين الأوروبية قد لا تتجاوز 69 الى 70 بالمائة* مع بداية موسم الشتاء، مقارنة بالمستويات المرتفعة التي تجاوزت 90 بالمائة خلال الأعوام الأخيرة. ويرتبط ذلك بانتهاء العقود الروسية المتبقية، والتي كانت توفر ما بين 45 و55 مليار متر مكعب سنوياً، أي ما يعادل 11 إلى 14 بالمائة من الطلب الأوروبي على الغاز، إضافة إلى الصعوبة المتزايدة في تعويض هذه الكميات عبر الغاز الطبيعي المسال.
مخزونات أقل… ومنافسة أشد على الغاز الطبيعي المسال
ويؤكد التقرير أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على إيجاد موردين جدد، بل يتمثل في ضمان الحصول على كميات كافية وموثوقة وقادرة على المنافسة في سوق عالمية محدودة المرونة، حيث تستقطب الأسواق الآسيوية جانباً مهماً من الشحنات الفورية بفضل الأسعار الأعلى التي تعرضها. ومن ثم، فإن الخطر الرئيسي لا يكمن بالضرورة في انقطاع الإمدادات، بقدر ما يتمثل في استمرار تقلب الأسعار، بما قد ينعكس سلباً على القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية.
عودة خطوط الأنابيب إلى الواجهة
في هذا السياق، يبرز التقرير القيمة الاستراتيجية المتجددة لإمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب، باعتبارها توفر تدفقات أكثر استقراراً وتحد من الاعتماد على سوق الغاز الطبيعي المسال الفورية، وإن كانت لا تعزل الدول المستفيدة من تقلبات الأسعار العالمية. وتبرز إسبانيا بوصفها إحدى أكثر الدول الأوروبية قدرة على مواجهة هذه التحديات، بفضل امتلاكها طاقات كبيرة لإعادة تحويل الغاز المسال، إلى جانب استمرار تدفق الغاز الجزائري عبر أنبوب “ميدغاز (Medgaz)” .
وتؤكد بيانات شركة “إيناغاس(Enagás)” استمرار الجزائر في صدارة موردي الغاز إلى السوق الإسبانية، وهو ما يعكس الأهمية المتزايدة للعقود طويلة الأجل وللقرب الجغرافي في ظل التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي. ومع ذلك، يلفت التقرير إلى أن هذه الأفضلية تعزز المرونة المادية* لمنظومة الغاز الإسبانية، لكنها لا تعفيها من التأثر بتقلبات الأسعار الدولية، نظراً لاستمرار اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال في جزء مهم من وارداتها.
الجزائر عنصر استقرار… لكنها ليست بديلاً عن الغاز الروسي
في المقابل، يحذر التقرير من المبالغة في تقدير قدرة الجزائر على سد الفجوة التي خلفها تراجع الإمدادات الروسية. فالقدرات الإنتاجية والتصديرية ترتبط ببنية تحتية ثابتة وعقود طويلة الأجل، كما أن تنامي الطلب المحلي يحد من إمكانية زيادة الصادرات على المدى القصير دون استثمارات جديدة في قطاع المنبع. كما أن شبكة الأنابيب الجزائرية موجهة أساساً إلى أسواق جنوب أوروبا، ولا تمتلك الترابطات اللازمة لتلبية احتياجات وسط وشرق القارة، حيث تبدو آثار التخلي عن الغاز الروسي أكثر وضوحاً. للتخفيف من هذه القيود، يدعو التقرير إلى اعتماد آليات أوروبية لتبادل شحنات الغاز الطبيعي المسال (LNG Swaps)، بما يسمح باستبدال الكميات الروسية بشحنات من مصادر أخرى، وتحسين استغلال البنية التحتية الأوروبية، والحد من الضغوط على السوق الفورية العالمية. ويخلص التقرير إلى أن التحدي الأوروبي لم يعد يقتصر على الاستغناء عن الغاز الروسي، بل أصبح يتعلق ببناء منظومة متكاملة لأمن الطاقة، تقوم على تنويع الموردين، وضمان عقود توريد مستقرة، وتعزيز مستويات التخزين، وتحسين التنسيق بين الدول الأعضاء. وفي هذا الإطار، تظل الجزائر شريكاً استراتيجياً مهماً في أمن الطاقة الأوروبي، لكنها تبقى دعامة مساندة بقدرات محدودة، لا يمكنها وحدها إعادة التوازن إلى سوق الغاز الأوروبية.


