لم يكن الإعلان عن عقد الدورة الثامنة للاجتماع الحكومي رفيع المستوى بين الجزائر وإسبانيا، المقرر تنظيمها في أكتوبر المقبل بمدريد، مجرد محطة بروتوكولية في ختام زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، بل حمل دلالة سياسية أعمق، تتمثل في استئناف أهم آلية مؤسساتية للتعاون بين البلدين رغم استمرار الخلاف حول قضية الصحراء الغربية.
ورغم أن الاهتمام الإعلامي انصب خلال الزيارة على ملفات الغاز والاستثمارات واستئناف المبادلات التجارية، فإن إعادة بعث هذا الإطار المؤسساتي تعد من أبرز مخرجات الزيارة، بالنظر إلى الدور الذي اضطلع به، على مدى أكثر من عقدين، في رسم التوجهات الكبرى للشراكة الجزائرية الإسبانية.
2002 آلية للتشاور السياسي منذ
أُنشئت الاجتماعات الحكومية رفيعة المستوى بموجب معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة سنة 2002، وتعقد – من حيث المبدأ – مرة كل عامين، بمشاركة رئيسي الحكومتين وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين من الجانبين. ومنذ أول دورة احتضنتها الجزائر سنة 2003، تعاقبت سبعة اجتماعات بالتناوب بين البلدين، قبل أن تستضيف الجزائر الدورة السابعة في الثالث من أبريل 2018، برئاسة رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك ماريانو راخوي والوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى .
غير أن الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت سنة 2022، عقب إعلان مدريد دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية، أدت إلى تجميد معظم قنوات التعاون السياسي والمؤسساتي، رغم استمرار صادرات الغاز الجزائري إلى إسبانيا واحترام العقود المبرمة بين الجانبين.
منطق المصالح يفرض إيقاعه
تكمن أهمية الدورة الثامنة للاجتماع الحكومي، بالدرجة الأولى، في الرسائل السياسية التي تحملها فبيدرو سانشيز زار الجزائر من دون أن يعلن أي مراجعة للموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية، وهو الموقف الذي كان سبباً مباشراً في الأزمة الثنائية سنة 2022. وفي المقابل، وافقت الجزائر على إعادة تفعيل أهم آلية للتعاون الثنائي، رغم بقاء الخلاف السياسي حول هذا الملف قائماً. ولا يعني ذلك تغيراً في الموقف الجزائري المعلن بشأن الصحراء الغربية، بقدر ما يعكس توجهاً نحو الفصل العملي بين مسار الخلاف السياسي ومسارات التعاون ذات الأولوية. فالقضية الصحراوية ما تزال حاضرة في الخطاب الرسمي، غير أنها لم تعد تحول دون استئناف التعاون في مجالات الطاقة والاقتصاد والأمن.
وبذلك، يبدو أن منطق المصالح المشتركة عاد يفرض حضوره في ادارة العلاقات الثنائية، في ظل إدراك متبادل لأهمية الحفاظ على قنوات الحوار والتعاون، رغم استمرار التباين في بعض الملفات الإقليمية. أما بالنسبة لمدريد، فإن استئناف الاجتماع الحكومي رفيع المستوى يمثل نجاحاً مساعيها الرامية إلى إعادة تطبيع العلاقات مع الجزائر، من دون التراجع عن موقفها المعلن من قضية الصحراء الغربية.
أولويات جديدة في بيئة دولية متغيرة
إذا كانت الإدارات في البلدين قد شرعت بالفعل في التحضير للاتفاقيات التي يُنتظر توقيعها خلال قمة أكتوبر، فإن جدول الأعمال هذه المرة سيعكس تحولات عميقة شهدها المشهد الدولي منذ آخر اجتماع سنة 2018. فالحرب في أوكرانيا، والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وإعادة تشكيل سوق الغاز الأوروبية، وسعي الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر الطاقة، كلها عوامل رفعت من الأهمية الاستراتيجية للشراكة الجزائرية الإسبانية. وتسعى مدريد إلى تعزيز وارداتها من الغاز الجزائري، وتشجيع عودة شركاتها إلى السوق الجزائرية، بينما تراهن الجزائر على استقطاب استثمارات جديدة في قطاعات الطاقة، وتحلية مياه البحر، والبنى التحتية، والتكنولوجيات الحديثة، والانتقال الطاقوي.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن يرافق سانشيز إلى الجزائر رؤساء عدد من كبريات الشركات الإسبانية، من بينها “ناتورجي” (Naturgy)، و”ريبسول” (Repsol)، و”مويفي” (Moeve)، و”إيناغاس” (Enagás)، و”إندرا” (Indra)، و”تيكنيكاس ريونيذاس” (Técnicas Reunidas)، و”أكواليا” (Aqualia)، و”ساسير أغوا” (Sacyr Agua)، في إشارة واضحة إلى الرهانات الاقتصادية التي ترافق مرحلة التقارب الجديدة.
أكثر من قمة… عودة الإطار المؤسساتي
بعد ثماني سنوات على آخر اجتماع حكومي رفيع المستوى، تغيرت الشخصيات التي كانت تقود البلدين سنة 2018، لكن الآلية المؤسساتية نفسها بقيت قائمة، وعادت اليوم إلى الواجهة بعد سنوات من الجمود. ولا يعني استئناف هذه الاجتماعات أن الخلاف بين الجزائر وإسبانيا حول قضية الصحراء الغربية قد انتهى، لكنه يكشف أن هذا الخلاف لم يعد، بمفرده، كافياً لتعطيل مجمل العلاقات الثنائية. وفي ظل تشابك المصالح الاقتصادية والطاقوية، وتزايد التحديات الأمنية والهجرية في غرب البحر الأبيض المتوسط، يبدو أن الجزائر ومدريد اختارتا إعادة بناء شراكتهما على أساس المصالح المشتركة، مع استمرار تمسك كل طرف بمواقفه إزاء القضايا السياسية الخلافية.


