يواجه الأمن الغذائي في بلدان شمال إفريقيا ضغوطاً متزايدة — بما في ذلك الجزائر، حيث لا يمكن للعائدات النفطية أن تواصل لعب دور “المُخفِّف للصدمات” إلى أجل غير مسمى.
تشهد منطقة شمال إفريقيا تزايداً في تعرضها للضغوط التي تطبع أنظمة الغذاء العالمية. ويقدّم تقرير الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (FIDA) بعنوان«صدمات عالمية، أزمات المحلية»، والصادر في 14 أبريل 2026، إطاراً تفسيرياً لهذه التحولات، رغم أنه لا يخصص تحليلاً مباشراً للمنطقة.
يوثق التقرير تصاعد الضغوط على الأنظمة الزراعية في الدول النامية نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية: التغيرات المناخية، تقلبات الأسواق الدولية، وضعف الاستثمار في القطاع الزراعي. وعند إسقاط هذه العوامل على شمال إفريقيا، تتضح حدتها بشكل خاص.
ويأتي ذلك في سياق دولي متوتر، حيث تعكس الاضطرابات التي تشهدها بعض الممرات البحرية الاستراتيجية — بما في ذلك مضيق هرمز — هشاشة سلاسل الإمداد العالمية واعتمادها الجزئي على توازنات غير مستقرة، خصوصاً فيما يتعلق بالطاقة ومدخلات الإنتاج الزراعي.
ويقدّر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية أن تحقيق تحول فعلي في الأنظمة الغذائية يتطلب استثمارات إضافية بنحو 77 مليار دولار سنوياً حتى عام 2030، مع التركيز على البنية التحتية الريفية، وتوسيع الوصول إلى التمويل، وتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، خاصة لدى صغار المنتجين.
هشاشة تتفاقم بفعل المناخ والأسواق
تجمع منطقة شمال إفريقيا مجموعة من نقاط الهشاشة المعروفة: الاعتماد على واردات الحبوب، التعرض المباشر لتقلبات الأسعار العالمية، والضغط المتزايد على الموارد المائية التي تعاني أصلاً من شح هيكلي. وتبرز موجات الجفاف المتكررة في المغرب، حيث تراجعت إنتاجية الحبوب بشكل حاد خلال موسم 2021-2022 بنسبة 67٪، إذ انخفض الإنتاج من نحو 103 ملايين قنطار إلى حوالي 34 مليون قنطار، وفق بيانات وزارة الفلاحة المغربية، نتيجة عجز مائي كبير وظروف مناخية غير مواتية.
أما في تونس ومصر، فإن ارتفاع فاتورة الغذاء يواصل الضغط على الميزانيات العامة في سياق اقتصادي عالمي غير مستقر. وفي هذا الإطار، فإن التوجهات التي يطرحها تقرير الصندوق — مثل تطوير البنية التحتية الريفية، تحسين الوصول إلى المدخلات الزراعية، وتعزيز إدارة الموارد المائية — تمثل تحدياً لإعادة تشكيل النظم الزراعية أكثر مما تشكل برنامجاً تقنياً جاهزاً.
الجزائر: قدرة مالية لا تكفي
في هذا السياق الإقليمي، تبدو الجزائر حالة ذات خصوصية نسبية. بفضل مواردها الطاقوية، تمتلك الدولة قدرة مالية تسمح لها بامتصاص جزء من الصدمات التضخمية المرتبطة بأسعار الغذاء على المدى القصير، وهو ما يمنحها هامشاً مختلفاً عن بعض جيرانها الأكثر تعرضاً المباشر لتقلبات الأسواق. لكن هذه القدرة على الامتصاص لا تعني تجاوز التحديات البنيوية. فالصمود الغذائي يقوم أساساً على تحولات إنتاجية عميقة تشمل تحديث سلاسل القيمة الزراعية، ورفع الإنتاجية، والاستثمار في البنية التحتية والموارد الطبيعية. وتظل تبعية الواردات الغذائية في الجزائر عاملاً بنيوياً مهماً، يطرح تحديات تتعلق بالتوازن بين القدرة على امتصاص الصدمات المالية والحاجة إلى تعزيز الاستقلالية الإنتاجية.
لم تعد المسألة الزراعية مجرد قضية اقتصادية
يشير تقرير الصندوق الدولي للتنمية الزراعية إلى أن التحديات الغذائية الحالية ذات طابع بنيوي، ناتج عن تداخل التحولات المناخية والاقتصادية والاجتماعية. وفي حالة شمال إفريقيا، يبرز ذلك الحاجة إلى مقاربات متكاملة تشمل الاستثمار الزراعي، وإدارة الموارد الطبيعية، وتنظيم سلاسل الإنتاج. كما أن تطوير أشكال من التعاون الإقليمي لا يزال دون المستوى المطلوب في مواجهة هذه التحديات المشتركة. وفي منطقة ترتبط فيها التوازنات الاجتماعية ارتباطاً وثيقاً بأسعار الخبز وإمكانية الوصول إلى المياه، لم تعد المسألة الزراعية مجرد قضية اقتصادية، بل أصبحت جزءاً من معادلة الاستقرار. ومع استمرار تراجع هوامش التكيف، تتزايد حدة هذا التحدي في سياق دولي يتسم بعدم اليقين وتكرار الصدمات.

