بشكله الفج وغير المتوقع تماماً، لا يمكن لقرار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم تغيير هوية الفائز بـ “كان 2025” بعد شهرين من نهائي الرباط إلا أن يستحضر في الأذهان — ضمن السياق العالمي الحالي — فعلاً «ترامبياً» أحادياً وعبثياً. ولكن بعيداً عن هذا التوازي في الشكل، ثمة روابط رمزية وواقعية تمر عبر الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» لجياني إنفانتينو والمغرب في عهد محمد السادس، تتغلغل في مفاصل الهيئة المديرة للكرة القارية بمزيج من السلطوية و”البزنسة المفرطة”، بما يتوافق تماماً مع الحقبة «الثقافية» لدونالد ترامب. وعند التمعن جيداً، نجد أن قرار 17 مارس بتجريد السنغال من اللقب لصالح المغرب لم يأتِ من فراغ، ولم يكن وليد الصدفة.
نموذج بزنس زيورخ كَبوصلة قارية
لماذا جازف الاتحاد الأفريقي لكرة القدم باتخاذ قرار سيجعل منه بلا شك أضحوكة في عالم كرة القدم؟ تكمن الإجابة في تحول “تراتبي” المصالح داخل الهيئة القارية بالقاهرة. ففي عهد موتسيبي، لم يعد تطور الكرة الإفريقية يُقاس بالعدالة الرياضية، بل بمدى قدرتها على الارتباط بالنموذج الاقتصادي العالمي للفيفا. وفي هذه المنظومة، تُمنح الأولوية للدول “المحورية”: جنوب إفريقيا والمغرب، وهما البلدان الوحيدان اللذان حظيا بوضعية مميزة كمُنظِّم أو مُنظِّم مشارك لكأس العالم، ليصبحا فعلياً قنوات لتمرير مصالح زيورخ داخل القارة.
أنتجت هذه القرابة العضوية بين إنفانتينو وموتسيبي وفوزي لقجع أول زلزال لها في يناير الماضي، مع فرض دورة رباعية لكأس إفريقيا للأمم. صاعقة كشفت الهيمنة الكاملة للفيفا على الأجندة الإفريقية؛ فمن خلال فتح المجال لمسابقات الأندية الجديدة التابعة للفيفا، يضحي الاتحاد الأفريقي لكرة القدم بهويته على مذبح المصالح التجارية العالمية. وفي المقابل، تعد الفيفا برفع إعاناتها — بنحو 30 مليون دولار سنوياً — لتعويض الخسائر. هذا الترتيب، الذي فُرض خارج الهيئات التداولية الواسعة، كان ينبغي أن يدق ناقوس الخطر بشأن مسار التبعية المتصاعدة وأسلوب حكمٍ يتقدم فيه منطق الأمر الواقع على التوافق.
محكمة التحكيم الرياضي «الطاس» في مواجهة عقيدة «حقيقة الميدان»
تعتزم السنغال الرد على هذا المنزلق الخطير. فمن خلال اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي (TAS)، تملك الاتحادية السنغالية حججاً قوية. وإذا كانت “الكاف” تتستر خلف تفسير متصلب للمادتين 82 و84 لإقرار الاعتراض المغربي، فإنها تتغافل عن مبدأ مقدّس لدى الفيفا: أولوية النتيجة التقنية النهائية. وبما أن الحكم لم يُنهِ المباراة عند توقّفها، فإن النتيجة المحققة على أرضية الملعب يفترض، وفق الاجتهاد القضائي المستقر، أن تظلّ سيّدة.
ويكرّس قانون الرياضة مبدأ عدم الرجوع عن قرار ميداني أقرّه حكم اللقاء. فضلاً عن ذلك، فإن الاضطرابات في المدرجات بين جماهير سنغالية وعناصر الأمن، والتي امتدت إلى أرضية الملعب، تُعدّ حالة قوة قاهرة تبرّر توقيفاً مؤقتاً دام 17 دقيقة. وبقاء لاعبين أساسيين مثل ساديو ماني فوق المستطيل الأخضر يثبت وجود نية لاستئناف اللعب. بالنسبة لـ “الطاس”، سيكون السؤال بسيطاً: هل يمكن لتأويل إداري أن يمحو واقعاً رياضياً مُنجزاً ومكتملاً؟ الجواب قد يضع الاتحاد الأفريقي في حرج قانوني عالمي.
الظلال السامة لمحور إنفانتينو–ترامب
بعيداً عن الحالة السنغالية، فإن الضرر اللاحق بصورة كرة القدم الإفريقية عميق، لأن فيفا إنفانتينو منخرطة بالكامل في هذا “الفيلم الرديء”. فالقرب المُعلن لرئيس الفيفا من دونالد ترامب — إلى حد منحه «جائزة للسلام» — بات شديد السمية مع اقتراب مونديال 2026. وفي ظل توترات الهجرة والتهديدات المتعلقة بتأشيرات مواطني العديد من الدول، يخلق اصطفاف الفيفا مع الأجندة السياسية لواشنطن مناخاً فاسداً.
ويجد المغرب، الذي يعد ركيزة في استراتيجية إنفانتينو، نفسه في قلب مناورة تتجاوز مجرد ركلة جزاء مثيرة للجدل. قرار الاتحاد الأفريقي في 17 مارس لا يزيد إلا في ترسيخ الانطباع بوجود “تسييس فج” لتسيير كرة القدم. ومع التضحية بأخلاقيات الرياضة على مذبح الواقعية السياسية وشبكات النفوذ، تكتمل تحوّلات الهيئة الإفريقية. بالنسبة لكرة القدم في القارة، لم يعد الأمر تسييراً فحسب، بل «تَرَانْبُنَة» متسارعة: فجة، غير متوقعة، ومنفصلة جذرياً عن القاعدة.
الاتحاد الإفريقي لكرة القدم في عهد موتسيبي ينحرف نحو «تَرَمْبَنَة» اللعبة
Partager cet article
لا توجد تعليقات
