لم يكن بوعلام بوعلام من المسؤولين الذين صنعتهم الأضواء. ظل اسمه، لسنوات طويلة، بعيداً عن الواجهة السياسية والإعلامية، رغم انتقاله تدريجياً من القضاء إلى مواقع شديدة الحساسية داخل الدولة، وصولاً إلى منصب مدير ديوان رئاسة الجمهورية، قبل أن يعلن قصر المرادية، في 5 أكتوبر 2026، وفاته في مستشفى بجنيف إثر «مرض عضال».
بدأ مساره من القضاء. فقد عمل قاضياً ومستشاراً بالمحكمة العليا، قبل أن يدخل الحياة المؤسساتية من بوابة مجلس الأمة، حيث انتُخب عن ولاية تيارت خلال تجديد نصف أعضاء المجلس سنة 2006، وبدأت عضويته في يناير 2007. لكن مساره أخذ منحى أكثر حساسية في النصف الثاني من العقد الماضي، بالتزامن مع إعادة هيكلة عميقة لأجهزة الاستعلام والأمن في نهاية عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
في 2015، أُنشئت بموجب مرسوم رئاسي الهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها، وهي هيئة ضمت ضمن اختصاصاتها مراقبة الاتصالات الإلكترونية في إطار قانوني وقضائي محدد. وتؤكد مصادر جزائرية أن بوعلام تولى لاحقاً مسؤولية هذه الهيئة، ليجد نفسه قريباً من أحد أكثر مجالات الدولة حساسية: الاستعلام التقني والمراقبة الإلكترونية. ومن المهم هنا التمييز بين هذه الهيئة وبين جهاز الاستعلام والأمن «DRS» الذي أعيد تنظيمه ثم فُككت بنيته في الفترة نفسها؛ فاختزال مسار بوعلام في عبارة «رئيس جهاز التنصت» لا تعكس بدقة الوضع القانوني للهيئة التي ترأسها.
التحول الأكبر جاء في يناير 2020. فقد أنهى الرئيس عبد المجيد تبون مهامه على رأس الهيئة وعينه مستشاراً لدى رئيس الجمهورية مكلفاً بالشؤون القانونية والقضائية. وبذلك انتقل بوعلام من موقع تقني حساس إلى قلب مؤسسة الرئاسة، محتفظاً بميزة أساسية في مساره: خلفية قضائية تضاف إليها خبرة في ملفات أمنية وتقنية.
وخلال السنوات التالية اتسعت دائرة اختصاصاته. وأصبح يوصف رسمياً بأنه مكلف بالشؤون القانونية والقضائية والعلاقات مع المؤسسات والتحقيقات والتأهيلات، وهي ملفات تتجاوز وظيفة المستشار القانوني بالمعنى التقليدي، وتضع صاحبها في تماس مباشر مع دوائر القرار والملفات التي تتطلب تحريات وتدقيقاً في الأهلية والاعتماد.
في نوفمبر 2023، بعد تعيين نذير العرباوي وزيراً أول، كُلف بوعلام بوعلام بتسيير مديرية ديوان رئاسة الجمهورية بالنيابة. وبعد أسابيع، ثُبت رسمياً في منصب مدير الديوان بموجب مرسوم رئاسي مؤرخ في 2 يناير 2024. ومنذ ذلك التاريخ أصبح واحداً من أكثر المسؤولين التصاقاً بالرئيس تبون ومؤسسة الرئاسة، بحكم طبيعة المنصب واتساع شبكة الملفات التي تمر عبر الديوان.
لكن أكتوبر 2025 حمل تحولاً لافتاً. فقد أُنهيت مهامه كمستشار مكلف بالشؤون القانونية والقضائية والعلاقات مع المؤسسات والتحقيقات والتأهيلات. غير أن هذه الخطوة لم تكن إبعاداً عن الرئاسة: فقد احتفظ بمنصب مدير الديوان، وهو ما يجعل الحديث عن «إقالته» في تلك المرحلة غير دقيق. ما حدث، وفق ما يظهر في السجل الرسمي، كان إعادة توزيع لاختصاصاته داخل الرئاسة.
ظل بوعلام يظهر في النشاطات الرسمية خلال الأشهر الأولى من 2026. ففي أبريل حضر إلى جانب الرئيس تبون خلال عدد من الاستقبالات الرسمية، وكان آخر ظهور رسمي موثق في ذلك الشهر في 28 أبريل. ثم ظهر مجدداً في 7 يونيو، خلال استقبال المنتخب الوطني لكرة القدم قبل توجهه إلى الولايات المتحدة للمشاركة في كأس العالم. بعد ذلك تراجع حضوره العلني بشكل واضح.
لم تقدم الرئاسة، طوال فترة الغياب، تفاصيل عن وضعه الصحي أو عن تاريخ انتقاله إلى سويسرا. وعند إعلان وفاته، أوضحت أن بوعلام بوعلام توفي في مستشفى بجنيف حيث كان يتلقى العلاج من «مرض عضال»، من دون الكشف عن طبيعة المرض أو مدته.
يختزل مسار بوعلام بوعلام تحولات لافتة في بنية السلطة التنفيذية الجزائرية خلال العقد الأخير: قاضٍ ومستشار في المحكمة العليا، عضو في مجلس الأمة، مسؤول في هيئة مرتبطة بالمراقبة الإلكترونية، مستشار للرئيس في الملفات القانونية والقضائية، ثم مسؤول عن التحقيقات والتأهيلات، وصولاً إلى مدير ديوان رئاسة الجمهورية.
أما وصفه بـ«الرجل القوي» أو صاحب النفوذ الحاسم داخل النظام، فهو توصيف سياسي وإعلامي يصعب تحويله إلى حقيقة موثقة من دون مصادر مستقلة تحدد طبيعة نفوذه وامتداداته. الثابت، في المقابل، أن بوعلام جمع في مساره بين المعرفة القضائية، الاقتراب من الملفات الحساسة، والعمل المباشر داخل الرئاسة، قبل أن يختفي تدريجياً من المشهد العلني في صيف 2026، ثم تنتهي مسيرته السياسية والإدارية بإعلان وفاته في جنيف.


