يُعد الإعلان الصادر عن المديرية العامة للجمارك الفرنسية، في 24 أفريل 2026، خطوة هامة في مكافحة تهريب الممتلكات الثقافية، لكنه يعيد في الوقت ذاته فتح جرح ذاكرة عميق بين الجزائر وباريس.
خلال عملية أمنية واسعة النطاق، اعترضت سلطات الجمارك الفرنسية مجموعة متباينة من الكنوز المنهوبة، شملت ممتلكات ثقافية إيرانية تقدر قيمتها بـ 100 ألف يورو، و402 قطعة أثرية تضم سيوفاً وسبائك من العصر البرونزي، بالإضافة إلى 280 قطعة تعود لعصر ما قبل التاريخ. وفي قلب هذه المحجوزات، نجد قرابة 2000 قطعة أثرية جزائرية، هي نتاج شبكات تهريب أخطبوطية تغذي السوق السوداء الأوروبية.
وإذا كان استرجاع هذه العملات الأثرية يمثل نجاحاً تقنياً، فإنه يسلط الضوء بشكل خاص على الفجوة الصارخة بين كفاءة قمع التهريب الحالي والجمود السياسي الذي يحيط بالتراث التاريخي. فمن الناحية الواقعية، تندرج هذه القطع الجزائرية ضمن التجارة غير المشروعة المعاصرة؛ وبما أنها لم تنتمِ يوماً إلى الأملاك العامة الفرنسية، فمن المقرر استعادتها للجزائر وفقاً للاتفاقيات الدولية.
قانون فرنسي تقييدي
ومع ذلك، تأتي هذه الفعالية العملياتية في سياق تشريعي فرنسي مقيد للغاية. في 13 أفريل 2026، اعتمدت الجمعية الوطنية الفرنسية قانوناً إطارياً يهدف إلى تسهيل استعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة. غير أن تحليل النص يكشف عن “مناطق ظل” واستثناءات تحدّ من تفاؤل الجزائر. إذ يتجاهل الإطار القانوني الحالي ما يسمى بـ “الممتلكات العسكرية”، مما يعيق فعلياً عودة قطع ذات حمولة رمزية قوية، مثل مدفع “بابا مرزوق” المحتفظ به في بريست، أو سيف الأمير عبد القادر، اللذين تعتبرهما فرنسا “غنائم حرب” نظامية تعود للقرن التاسع عشر. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن النائبة عن حزب الخضر، الفرنسية-الجزائرية صابرينا سبايحي، قد أعلنت عن إيداع مقترح قانون يهدف إلى استعادة مدفع “بابا مرزوق” المعروف بـ “لاكونسيلير” (La Consulaire) وتسليمه للجزائر.
ويتمثل عائق رئيسي آخر في حماية “الهبات والوصايا الخاصة”، وهي نقطة أثارها المراقبون بحدة. فمن خلالها، نجد أن عدداً كبيراً من الكنوز الجزائرية، اسيما تلك المنهوبة إثر الاستيلاء على زمالة الأمير عام 1843، مدمجة اليوم ضمن مجموعات مؤسسات ذات نظام خاص، مثل “متحف كونديه” في شانتيي. إذ تمنع وصية دوق “أومال” تعاقدياً خروج أي قطعة من المجموعة، مما يجعل هذه الأغراض بعيدة عن متناول القانون الجديد.
تكريس قانوني للنهب
تعتبر الجزائر هذا البند بمثابة تكريس قانوني لعمليات النهب التاريخية، حيث لا تزال وصية أمير من القرن التاسع عشر تغلب حق شعب في استعادة الأجزاء الأساسية من تاريخه. ويتمثل عائق رئيسي آخر في حماية “الهبات والوصايا الخاصة”، وهي نقطة أثارها المراقبون بحدة. فمن خلالها، نجد أن عدداً كبيراً من الكنوز الجزائرية، لاسيما تلك المنهوبة إثر سقوط زمالة الأمير عام 1843، مدمجة اليوم ضمن مجموعات مؤسسات ذات نظام خاص…
وبينما يتواصل الجدل في البرلمانات، يتعرض الميدان الوطني لتآكل مستمر. إذ تشير تقارير إعلامية دورية إلى استمرار عمليات التنقيب السرية التي تقوم بها شبكات محلية مجهزة بأجهزة كشف المعادن. يستهدف هذا “التهريب الصامت” مواقع أثرية لم تصنف بعد، مما يؤدي إلى ضياع لا يعوض للمعطيات التاريخية. ولا تمثل هذه الظاهرة خسارة ثقافية فحسب، بل هي شكل من أشكال استنزاف الثروات، حيث يتم تحويل التراث الوطني إلى عملات صعبة عبر منصات البيع الرقمية الدولية.
نزاع جوهري حول الذاكرة التاريخية
ضبط 2000 قطعة في فرنسا، رغم كونه دليلاً على يقظة الأجهزة الجمركية، إلا أنه لا يحل نزاع الذاكرة الجوهري. فالثنائية تبدو صارخة: من جهة، توجد إرادة تقنية للتعاون ضد الجريمة المنظمة الحالية، ومن جهة أخرى، استمرار للأقفال القانونية التي تحمي المنهوبات من الحقبة الاستعمارية. ويرى المراقبون الوطنيون أن التصفية الحقيقية للاستعمار في المتاحف لن تكتمل إلا عندما تغادر رموز المقاومة والأرشيفات الأساسية للأمة الجزائرية -ولبقية الشعوب المستعمرة- واجهاتها الباريسية لتعود إلى أرضها الأصلية.
