النقل الجوي العالمي في حالة اكتئاب: لماذا تُشكّل الجوية الجزائرية استثناءً في مواجهة العاصفة التي تضرب جيرانها

في وقت اجتمعت فيه شركات الطيران العالمية في ريو دي جانيرو لعقد جمعيتها العامة السنوية، بدا المزاج العام قاتماً بسبب تراجع الأرباح إلى النصف تحت تأثير الحرب في الشرق الأوسط. وفي ظل الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات، تتباين الأوضاع في المغرب الكبير بشكل لافت بين الجزائر، التي يغطي إنتاجها المحلي حاجاتها من الكيروسين، وبين المغرب وتونس اللذين يعتمدان على الاستيراد.

5 min de lecture
جناح الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) في ريو دي جانيرو ( حقوق محفوظة)

اختُتمت في 8 جوان أشغال الدورة الثانية والثمانين للجمعية العامة للاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) في ريو دي جانيرو بالبرازيل وسط أجواء من التشاؤم. ولم تعد السماء صافية أمام 370 شركة طيران عضواً في المنظمة. فقد رسم المدير العام للاتحاد، ويلي والش، صورة قاتمة لصناعة تمرّ بمنطقة اضطرابات عنيفة.

وفي قلب هذه الأزمة يأتي الارتفاع الصاروخي في أسعار وقود الطائرات، الذي قفز بنحو 70 بالمائة مقارنة بعام 2025 ليبلغ متوسط 152 دولاراً للبرميل. ويعود ذلك مباشرة إلى الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران وما رافقها من تعطّل لحركة الملاحة في مضيق هرمز. ومن المتوقع أن تصل فاتورة الوقود العالمية إلى 350 مليار دولار خلال عام 2026، وهو ما يهدد استقرار العديد من شركات الطيران، خاصة الصغيرة منها.

وقد أصبحت آثار هذه الأزمة الطاقوية- الناجمة عن حرب ابتعد مسارها كثيراً عن حسابات من أطلقوها- قابلة للقياس بالفعل، إذ جرى خفض توقعات الأرباح الصافية للقطاع العالمي إلى النصف تقريباً، لتستقر عند 23 مليار دولار في 2026 مقابل 45 ملياراً في 2025. كما تراجعت الربحية الإجمالية إلى هامش صافٍ لا يتجاوز 2 بالمائة.


وتعيد هذه الأزمة رسم خريطة الربحية في قطاع الطيران العالمي. فشركات الخليج، التي طالما كانت من أبرز اللاعبين في القطاع، تواجه تراجعاً غير مسبوق، مع توقعات بهامش ربح صافٍ سلبي يبلغ ناقص 6,1 بالمائة، نتيجة تحويل مسارات الرحلات، وتقليص السعات التشغيلية، وفقدان جزء من حركة العبور الدولية.


الخطوط الجوية الجزائرية في سماء أكثر هدوءاً

في مواجهة هذه الصدمة العالمية، تبدو الخطوط الجوية الجزائرية أكثر قدرة على امتصاص الاضطرابات. فهي تستفيد من ميزة هيكلية تتمثل في التكامل الرأسي لقطاع الطاقة في الجزائر. فوقود الطائرات يُنتج ويُكرّر بالكامل محلياً من قبل الشركة الوطنية للمحروقات سوناطراك التي تستخرج النفط الخام بنفسها. وتتيح مصفاة سكيكدة تغطية كامل احتياجات السوق الوطنية من الكيروسين.

ورغم أن هذا الإنتاج المحلي لا يحقق فوائض كبيرة للتصدير إلى الأسواق الدولية، فإنه يؤدي دوراً حاسماً كدرع اقتصادي. فهذه الاكتفاء الذاتي الكامل، المنفصل نسبياً عن آليات المضاربة العالمية على النفط الخام، يحمي السوق الوطنية من مخاطر نقص الإمدادات ومن الانفجار المحتمل في تكاليف التزود بالوقود. وبفضل هذا الوقود «السيادي»، تستطيع الخطوط الجوية الجزائرية الحفاظ على خططها التوسعية، خاصة نحو أسواق إفريقيا جنوب الصحراء.


المغرب وتونس: عقوبة مزدوجة في مواجهة التحوط الأوروبي

أما في بقية بلدان المغرب الكبير، فالصورة مختلفة تماماً. فالمغرب وتونس، اللذان يفتقران إلى الموارد الأحفورية ويعتمدان على استيراد الوقود بأسعار السوق العالمية، يتحملان كامل تبعات ارتفاع سعر البرميل إلى 152 دولاراً. وبالنسبة للخطوط الملكية المغربية وتونيسار، فإن هذه القفزة في أسعار الوقود تضغط بقوة على هوامش الربح في الخطوط الجوية الأوروبية المتوسطية شديدة التنافسية.


وقبيل انطلاق موسم الصيف، تجد الشركتان نفسيهما في وضع صعب. فمن جهة، تضطران إلى إجراء تعديلات سعرية معقدة قد تنفّر المسافرين، ومن جهة أخرى تواجهان المنافسة الشرسة لشركات الطيران الأوروبية.

وتشير منظمة النقل الجوي الدولي (إياتا) إلى أن شركات الطيران الأوروبية قد تحقق أفضل هوامش ربح على مستوى العالم (3,1% صافي هامش ربح)، مدعومة بمعدل تغطية (تحوط – hedging ) ضد ارتفاع أسعار وقود الطائرات يعد من بين الأعلى في العالم (70%) وفي المقابل، لا تمتلك الشركات المغربية والتونسية الإمكانات المالية نفسها التي تسمح لها بتثبيت أسعار الطاقة مسبقاً عبر عقود التحوط، ما يجعلها تدخل الموسم الصيفي في وضعية هشاشة واضحة.


الركاب حاضرون… لكن الطائرات مفقودة

والمفارقة أن الطلب على السفر الجوي لا يزال قوياً. إذ تتوقع «إياتا» تسجيل رقم قياسي عالمي جديد يبلغ 5,1 مليارات مسافر خلال عام 2026، مع معدل امتلاء للمقاعد يصل إلى 84 بالمائة في المتوسط. ولهذا السبب يرفض ويلي والش الحديث عن « أزمة هيكلية» شبيهة بتلك التي شهدها القطاع خلال جائحة كوفيد-19، إذ لا يزال النقل الجوي العالمي يحافظ على منحى تصاعدي من حيث عدد المسافرين.


إلى جانب أزمة الوقود، يواجه القطاع أيضاً نقصاً في تسليم الطائرات الجديدة من قبل «إيرباص» و«بوينغ»، بسبب الاختناقات المزمنة في سلاسل التوريد وشبكات المناولة لدى المصنعين. ويحدّ هذا النقص من قدرة الشركات على فتح خطوط جديدة، كما يحرمها من الاستفادة من الطائرات الحديثة الأقل استهلاكاً للوقود، وهي الطائرات التي أصبحت اليوم ضرورية للتخفيف من آثار الصدمة الطاقوية التي يمر بها القطاع.

Partager cet article