“لقاء مثمر مع وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف. ناقشنا الشراكة القوية بين الولايات المتحدة والجزائر وفرص توسيع التجارة والاستثمار في مجموعة من القطاعات، كما تطرقنا إلى التزامنا المشترك بالسلام والأمن في المنطقة.” كان هذا آخر منشور لمسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس ترامب للشؤون العربية والإفريقية، حيث التقى بوزير الخارجية أحمد عطاف على هامش أشغال الجمعية العامة الأممية.
هل أقنعت الجزائر واشنطن
قبل هذا المنشور، صنع بولس الحدث أمس، بحواره مع قناة “فرانس24” حيث استعمل لأول مرة عبارات لا تحتمل أكثر من تأويل بخصوص ملف الصحراء الغربية. فقد كشف صراحة أن اللقاءات التي جرت لحد الساعة لم تسمح ببلورة أي شيء ملموس. ومن خلال تأكيد بولس أن الجزائر “لا يمكنها أن تفرض حلاً بالقوة على الصحراويين” فهو بذلك يؤكد أنه من غير المعقول أن يفرض أياً كان أي حل بالقوة على الصحراويين.
واضح جداً من خلال تصريحات بولس أن الجزائر نجحت في إقناع واشنطن، أن “الأمن والسلام في المنطقة” يمران عبر احترام إرادة الشعب الصحراوي، وأن أي حل مفروض عليهم سوف يدخل المنطقة في حالة لا استقرار يصعب التحكم فيها. وبالعودة إلى موقف الإدارة الأمريكية الرافضة منذ أكثر من عشرية من الزمن، التدخل العسكري المباشر في منطقة الساحل، نفهم تفضيل واشنطن اليوم، الحديث عن التزامها بـ”الأمن والسلام” في شمال إفريقيا أكثر من أي حسابات أخرى.
لماذا فشلت الرباط
ولم يبق أمام الرباط في ظل هذه التطورات سوى اتهام الجزائر بعرقلة الحل، كما دافع عن ذلك صحفي “فرانس 24” الذي حاور مسعد بولس. لكن هذا الخطاب الموجه للاستهلاك الإعلامي، يخفي فشل عقود طويلة من التعبئة الدبلوماسية لحسم الملف. فما هي الأخطاء التي ارتكبتها المملكة حتى تحصد الفشل؟
السبب الرئيسي يكمن في المسلَّمات التي تقوم عليها الدبلوماسية المغربية: فالساقية الحمراء ووادي الذهب مصنفة في مواثيق الأمم المتحدة كـ”إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي”، وقد وقع المغرب على إتفاق وقف إطلاق النار مع إنشاء بعثة أممية تشرف على تنظيم إستفتاء تقرير المصير. وكان على الملك ومحيطه أن يوجهوا جهودهم لمساعدة بعثة ال”مينورسو” على إتمام مهمتها. لكن عكس ذلك، راحوا يبحثون عن طريق يسمح لهم بتجاوز الشرعية الدولية ودفع أعضاء مجلس الأمن لاتخاذ قرارات غير مسبوقة في تاريخ الأمم المتحدة.
الطريق التي سلكها المغرب، تسمى في لغات الشعوب المختلفة، رشوة وفساداً وبيعاً للذمم وشراءً لها… وهي طريق مكلفة كثيراً سواء من الناحية المالية والتنازلات الاقتصادية، أو من الناحية السياسية. وأكثر من ذلك، هي طريق غير مضمونة النتائج، وفي المقابل مضمونة العواقب، حيث تُعرَّض سيادة الدول التي تسلك هذه الطريق للمساومة.
البوليساريو أحسنت تسيير الضغط
وبدأت سيادة المغرب فعلاً تتعرض للخطر، حين وجد الملك نفسه مضطراً لتفصيل أكثر مخططه للحكم الذاتي في الصحراء الغربية. وكان السفير الصحراوي في الجزائر، خطري أدوه خطري، أول من طرح للنقاش، في حواره مع “مغرب إميرجون”، مضمون الحكم الذاتي الذي يريده المغرب.
استبعد أدوه خطري آنذاك أن يكون المغرب جاداً في طرحه مشروعاً للحكم الذاتي في الصحراء الغربية، لأن الأمر يتطلب تعديل الدستور المغربي وإدراج نظام الحكم الذاتي، الذي سيتم الاتفاق عليه، ضمن الهياكل الدستورية للمملكة. وفي هذه الحالة سيجد المغرب نفسه في مواجهة مطالب بتوسيع نظام الحكم الذاتي لباقي مناطق البلاد.
مصدر دبلوماسي التقته “مغرب إميرجون” لاحقاً، اعترف أن بلاده التي سارعت لتبني المخطط المغربي، “اكتشفت في الأخير أن الرباط غير جاد في طرحه”. وعدم الجدية هذه يدفع المغرب حالياً ثمنها، ليس في ملف الصحراء الغربية فقط، بل في علاقاته مع إسبانيا وتهديداته المتكررة للأمن والاستقرار في إقليم سبتة. أزمة حرّكت البرلمان الأوروبي وجعلته يؤكد أن سبتة إقليم أوروبي.



