تسلط البيانات المستخرجة من سجل وكلاء الأجانب في الولايات المتحدة (FARA)، والتي قامت منصة “OpenSecrets ” بتجميعها، الضوء على فجوة كبيرة بين استثمارات المغرب والجزائر في مجال “اللوبي” (ضغط المصالح).
هذا التفاوت لا يعكس مجرد تباين في الميزانية، بل يندرج ضمن واقع محاسبي يترجم عقيدتين دبلوماسيتين متناقضتين. ففي عام 2025، بلغت نفقات اللوبي للمملكة المغربية حوالي 3.49 مليون دولار، مسجلة ارتفاعاً مستمراً بعد 3.37 مليون دولار في عام 2024 و1.7 مليون دولار في عام 2023. ورغم أن هذه الأرقام تظل دون الذروة التاريخية البالغة 14 مليون دولار المسجلة في عام 2021 — المرتبطة بتطبيع الرباط مع إسرائيل مقابل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية — إلا أنها تعكس استثماراً “دائماً” وضخماً يهدف إلى تحصين المكتسبات الدبلوماسية.
الوصول الجزائري المتأخر
على العكس من ذلك، أظهرت الجزائر لفترة طويلة حضوراً شبه منعدم في السجلات الرسمية بواشنطن، حيث لم تتجاوز نفقاتها بضع مئات من الدولارات سنوياً حتى عام 2022. ولم يبدأ الانتعاش إلا اعتباراً من عام 2023 بمبلغ 247 ألف دولار، ليرتفع بشكل ملحوظ إلى أكثر من 750 ألف دولار في عام 2025. ويعود هذا الارتفاع بشكل أساسي إلى دخول عقد ضخم حيز التنفيذ في سبتمبر 2024 بقيمة 720 ألف دولار سنوياً مع مجموعة (BGR Group). »
وبالرغم من هذه الاستفاقة المتأخرة، لا تزال نفقات المغرب تتجاوز نفقات الجزائر بعشرة إلى عشرين ضعفاً حسب الدورات، مما يجسد استمرار اختلاف مالي وعلاقاتي يمتد لعقود، عملت الرباط تحويله إلى ميزة استراتيجية مستدامة.
الرباط تشغل مساحة صنع القرار الأمريكي
تعتمد المقاربة المغربية على مفهوم للدبلوماسية يُعامل التأثير كبنية تحتية للدولة، وليس كاستجابة للأزمات. فقد عمدت الرباط على إشغال مساحة صنع القرار الأمريكي عبر حضور متعدد الاتجاهات، مستندةً إلى منظومة من الشركات المتخصصة مثل “Yorktown Solutions” و”Akin Gump” و”Brownstein Hyatt”. هذه الهياكل لا تكتفي بنقل الرسائل، بل تشارك بنشاط في صياغة البيئة التشريعية لضمان أن كل قرار صادر عن الكونغرس — سواء تعلق الأمر بالمساعدات التنموية أو بصفقات المعدات العسكرية المتطورة مثل صواريخ “ستينغر” التي تم التفاوض عليها في عام 2025 — يتضمن إشارة صريحة إلى الصحراء الغربية.

من جهتها، بدأت الجزائر تخرج تدريجياً من عقيدة السيادة الصارمة وعدم الانحياز التي فضلت تاريخياً القنوات الرسمية بين الدول والمحافل متعددة الأطراف مثل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة. وأصبح اللجوء إلى وسطاء من القطاع الخاص في واشنطن، والذي كان يُنظر إليه لفترة طويلة كممارسة غريبة عن تقاليدها المؤسساتية، ضرورة تكتيكية لعدم ترك المجال مفتوحاً للأنشطة المناهضة للجزائر التي يقوم بها خصمها.
اختيار مجموعة “BGR Group“
يكشف اختيار مجموعة “BGR Group”، وهي شركة ذات نفوذ قوي في الأوساط الجمهورية، عن رغبة في تحييد تفوق الرباط لدى اليمين الأمريكي. تهدف هذه الخطوة الدفاعية بشكل أساسي إلى إحباط جهود بعض أعضاء الكونغرس الساعين لتصنيف جبهة “البوليساريو” كمنظمة إرهابية، مع محاولة بناء قناة اتصال مباشرة مع صناع القرار المحيطين بالرئاسة الحالية.
تؤكد هذه الازدواجية أنه بينما يعى المغرب في تحويل واشنطن إلى امتداد لساحته السياسية الداخلية، بدأت الجزائر للتو مرحلة استدراك معقدة للخروج من عزلتها النسبية. وبينما يدمج المغرب مصالحه بشكل عضوي في دوائر التمويل والدفاع الأمريكية، لا تزال الجزائر تسعى لإثبات صيغتها الدبلوماسية القائلة بأن “السماء هي الحدود” (the sky is the limit) لطموحاتها في التأثير المضاد.

