الوسطاء والصفقات العمومية: ما تكشفه قضية أولترا إلكترونيكس المرتبطة بالجزائر

5 min de lecture

يسلط نشر وثيقة بيان الوقائع (Statement of Facts) من قِبل مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة البريطاني (Serious Fraud Office – SFO)، في الأول من مايو 2026، الضوء على مسألة هيكلية في مجال الصفقات العمومية الدولية، وهي: دور الوسطاء في الولوج إلى العقود الحكومية.

تتطرق هذه الوثيقة، التي اعتمدها القضاء في إطار اتفاق المقاضاة المؤجلة (Deferred Prosecution Agreement – DPA) المبرم مع شركة أولترا إلكترونيكس هولدينغز (Ultra Electronics Holdings)، إلى مشاريع مرتبطة بالجزائر في الفترة ما بين 2014 و2017.

وتعتبر هذه الوثيقة مستنداً قضائياً رسمياً وليس تحقيقاً صحفياً. وفي هذا السياق، تقر الشركة بوجود ثغرات في منظومة الامتثال والرقابة الداخلية لديها، وتقبل بسداد عقوبة مالية إجمالية تقارب 15 مليون جنيه إسترليني، تشمل الغرامة وتكاليف التحقيق، وذلك لتفادي الملاحقات الجنائية. ولا يؤسس التكييف القانوني للمخالفة على إثبات تقديم رشاوي بشكل فعلي، بل على العجز عن منع مخاطر الفساد (Failure to prevent bribery)، لاسيما من خلال اللجوء إلى وسطاء تجاريين.

من هي أولترا إلكترونيكس؟

تشير الوثيقة إلى مشاريع مرتبطة بالجزائر خلال الفترة ما بين 2014 و2017، من بينها مشروع نظام معلوماتي خاص بمطار الجزائر الدولي (هواري بومدين)، إضافة إلى أنظمة تشفير لصالح وزارة البريد والاتصالات. ورغم أن هذه العقود، التي قُدرت فرصها التجارية بنحو 1.4 مليون جنيه إسترليني، لم تُمنح للشركة في نهاية المطاف، إلا أن الملف يبرز نموذجاً متكرراً في الصفقات الدولية: الاعتماد على وكلاء محليين تتداخل في عملهم الأدوار التجارية مع علاقات النفوذ، بما يجعل طبيعة نشاطهم وحدود تأثيرهم خارج سيطرة أنظمة الرقابة الداخلية بشكل كامل.

وقد قدمت الصحافة البريطانية إضاءة هامة حول الملف التعريفي للمجموعة المعنية؛ حيث تذكر صحيفة ذا تايمز (The Times) أن أولترا إلكترونيكس (Ultra Electronics) تُعد فاعلاً استراتيجياً في قطاع الدفاع البريطاني، ومساهماً في برامج حساسة لصالح البحرية الملكية (Royal Navy) وسلاح الجو الملكي (Royal Air Force)، لاسيما في مجال أنظمة السونار ومكافحة الغواصات. ويتباين هذا الموقع الاستراتيجي مع قراءة الأسواق المالية، التي لم تكن تصنف الجزائر كوجهة رئيسية أو حيوية لنشاط المجموعة. ووفقاً لمحللين نقلت عنهم الصحيفة، فإن الجزائر لم تمثل يوماً سوقاً رئيسية للشركة، إذ ظل نشاطها المحلي هناك محدوداً وذا طابع مدني بالأساس، بحجم أعمال قُدّر بنحو 400 ألف جنيه إسترليني. ويفسر هذا الحجم المحدود جزئياً حالة المفاجأة التي سادت الأسواق عند الإعلان عن فتح تحقيق من قِبل مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة (Serious Fraud Office – SFO).

وقد تناولت الصحافة البريطانية هذه القضية على نطاق واسع؛ حيثأشارت صحيفة ذا غارديان (The Guardian) إلى أن الإجراءات التي بادر بها مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة في عام 2018 جاءت في سياق تغطية إعلامية في الجزائر لنزاعات مرتبطة بهذه المناقصات، وفي إطار تعاون الشركة مع السلطات البريطانية عقب إثارة مخاوف داخلية. ومن جهتها، أوضحت صحيفة ذا تايمز (The Times) أن فتح التحقيق نتج عن مسار داخلي لرفع التقارير والإنذارات داخل الشركة، في بيئة تفرض فيها متطلبات قانون مكافحة الرشوة البريطاني (UK Bribery Act) مسؤولية واسعة النطاق في مجال الوقاية من مخاطر الفساد.

وثمة عنصر آخر ركزت عليه الصحافة الاقتصادية، لاسيما صحيفة فايننشال تايمز (Financial Times)، ويتعلق بالتسوية النهائية للملف في سياق إعادة هيكلة المساهمين، مع استحواذ مجموعة أدفنت إنترناشيونال (Advent International) على الشركة في عام 2022، بما يعكس البعد المتزايد لإدارة المخاطر القانونية والسمعة في صفقات الاستحواذ على شركات تعمل في قطاعات حساسة. وبذلك، فإن إطلاق الإجراءات لم يكن نتيجة تبليغ رسمي من السلطات الجزائرية، بل ثمرة مسار داخلي مرتبط بمنظومة الامتثال داخل الشركة، ثم تعاونها مع الجهات البريطانية المختصة.

دور الوسطاء تحت المجهر

وبعيداً عن هذه الحالة الخاصة، تظهر الجزائر هنا كأحد ميادين العمليات لنمط أكثر اتساعاً في طريقة عمل الشركات متعددة الجنسيات. فالاستعانة بالوسطاء التجاريين، والتي اعتُبرت لفترة طويلة ممارسة وظيفية كأداة تسهيل ضرورية في الأسواق الخارجية، أصبحت تُصنف بشكل متزايد من قِبل الهيئات التنظيمية كقناة رئيسية للمخاطر القانونية المرتبطة بالفساد غير المباشر.

ما تكشفه وثيقة مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة (Serious Fraud Office) لا يتعلق باتهام دولة أو مؤسسة بعينها، بل يعكس تشديداً متنامياً في معايير الحوكمة الاقتصادية العالمية. إذ لم تعد الشركات تُقيَّم فقط على أساس وقوع أفعال فساد مثبتة، بل أيضاً على مدى قوة أنظمتها الداخلية في منع الظروف التي قد تؤدي إلى وقوعها.

Partager cet article
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *