بالوتيرة الحالية، ستحتاج بورصة الجزائر إلى قرنين من الزمن لبلوغ القيمة السوقية لبورصة تونس

خلال العرض العلني لنشرة المعلومات الخاصة بشركة «آيراد» (Ayrade)، أول مؤسسة من الاقتصاد الرقمي تلج أبواب السوق المالية الجزائرية، حرص كل من يوسف بوزنادة، رئيس لجنة تنظيم ومراقبة عمليات البورصة (كوسوب)، وأمل سلمون، المديرة العامة لشركة تسيير بورصة القيم (SGBV)، على تغذية مناخ التفاؤل الذي ساد المناسبة. ومن بين سطور مداخلاتهما برزت صورة لبورصة جزائرية جديدة تقودها التكنولوجيا، والشركات الناشئة، ومؤسسات اقتصاد المعرفة.

5 min de lecture
بورصة تونس - جمود بورصة الجزائر في مقابل حركية المغاربية

وعلى هامش الحدث، عززت الأحاديث المتداولة بشأن إدراجات مرتقبة خلال سنة 2027، مثل منصة «إمبلويتيك» (Emploitic) أو إحدى مجموعات التكوين المهني الخاصة، هذا التصور المتفائل. غير أن هذا التركيز الحصري على السوق الثانوية المخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة يبدو أقرب إلى اعتراف بالعجز منه إلى استراتيجية تنموية حقيقية. فخلف الخطاب التواصلي حول التحول الرقمي، تفرض الأرقام حقيقة لا يمكن تجاوزها: فعمليات إدراج لا تتجاوز قيمتها بضعة ملايين من الدولارات لن تمنح بورصة الجزائر الحجم الحرج الذي تفتقر إليه بشدة.

سراب انتعاشة 2024 ومأزق الـ15 مليار دولار

وُلد الانطباع بحدوث تحول نوعي سنة 2024. فقد سمح الإدراج الكبير للقرض الشعبي الجزائري (CPA)، الذي جمع مبلغا قياسيا قدره 101 مليار دينار، متبوعا بإدراج بنك التنمية المحلية (BDL) بقيمة 61 مليار دينار، برفع القيمة السوقية الإجمالية للبورصة إلى نحو 5.8 مليارات دولار. لكن منذ ذلك الحين، عاد نشاط السوق الرئيسية إلى حالة من الركود يصعب تفسيرها. أما الهدف الرسمي المتمثل في بلوغ قيمة سوقية قدرها 15 مليار دولار بحلول سنة 2030، والذي حددته السلطات العمومية، فيبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى. والاعتماد حصرا على ديناميكية الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة لسد فجوة تبلغ 9.2 مليارات دولار يعكس انفصالا واضحا عن الواقع الاقتصادي الكلي.

وتُعد حالة «آيراد» خير مثال على ذلك؛ فرغم نجاحها في جمع مليار دينار، وهو رقم قياسي بالنسبة لسوق النمو، فإن مساهمتها في القيمة السوقية لا تتجاوز نحو 7 ملايين دولار. وسيكون من الضروري تكرار مئات العمليات المماثلة لإحداث تأثير ملموس على حجم السوق.

جمود جزائري في مقابل الحركية المغاربية

تُظهر المقارنة مع تطورات أسواق المال المغاربية بعد جائحة كوفيد-19 أن «الزخم» الجزائري لسنة 2024 كان ظرفيا ولم يترك أثرا في السنتين التاليتين. فبينما دخلت بورصة الدار البيضاء دورة نمو جديدة عبر ثمانية إدراجات كبرى بين 2021 و2025، قادتها مجموعات خاصة عملاقة في قطاعي الصحة والبناء والأشغال العمومية، مثل «أكديطال» (Akdital) و«SGTM»، حافظت بورصة تونس على وتيرة منتظمة مكنتها من تنشيط سوق تضم 82 شركة مدرجة.

في المقابل، بقيت بورصة الجزائر أسيرة دورات السياسة وتحولاتها. والحساب هنا واضح وصادم: فإذا كانت البورصة الجزائرية ستعتمد فقط على شركات بحجم «آيراد» أو «إمبلويتيك»، وبمعدل هيكلي لا يتجاوز عملية إدراج واحدة سنويا، فإنها ستحتاج إلى 240 سنة كاملة لمجرد بلوغ القيمة السوقية الحالية لبورصة تونس، المقدرة بـ8.2 مليارات دولار. ويكشف هذا الفارق الزمني العبثي أن السوق المالية الجزائرية لا تتحرك وفق الإيقاع الاقتصادي نفسه الذي تتحرك به نظيراتها في المنطقة.

الغياب الكبير لرأس المال الخاص الوطني

ولتعويض الغموض السياسي الذي يحيط بأجندة فتح رأسمال المؤسسات العمومية، وتردد الدولة في طرح حصص من مؤسسات كبرى أخرى مثل البنك الوطني الجزائري (BNA)، والبنك الخارجي الجزائري (BEA)، واتصالات الجزائر، كان من المفترض أن يتولى القطاع الخاص الكبير هذه المهمة. وكان إدراج مجمع «بيوفارم» سنة 2016 قد رسم بالفعل معالم هذا المسار.

غير أن هذه الديناميكية تعرضت لانتكاسة حادة. فقد دفع الزلزال السياسي الذي أحدثه الحراك الشعبي سنة 2019، وما تلاه من ملاحقات قضائية واسعة طالت رجال الأعمال خلال السنوات اللاحقة، كبار المستثمرين الجزائريين إلى تبني منطق التحفظ والانكفاء، وهو ما يتناقض مع متطلبات الشفافية والإفصاح التي تفرضها السوق المالية. وحتى الامتيازات الجبائية الاستثنائية التي جددتها السلطات، إلى جانب التسهيلات غير المسبوقة التي أقرتها «كوسوب» لشروط الإدراج، لم تعد كافية لإقناع كبار المتعاملين الاقتصاديين. فهؤلاء يفضلون التمويل الذاتي أو اللجوء إلى القروض البنكية التقليدية، تاركين السوق الرئيسية من دون وقود حقيقي للنمو.

حكم السوق الثانوية: فخ انعدام السيولة

بعيدا عن أزمة الإدراجات الجديدة، تعاني بورصة الجزائر منذ ما يقارب ثلاثة عقود من عيبها البنيوي الأصلي: ضعف السيولة المزمن الذي ينفر الشركات المصدرة والمستثمرين على حد سواء. فالسوق الثانوية تكاد تكون شبه غائبة، إذ لا يتجاوز معدل دوران الأسهم سنويا 0,8 %. وللمقارنة، يبلغ هذا المؤشر نحو 5 بالمائة في الدار البيضاء، ويتجاوز 11 بالمائة في تونس. ويقيس هذا المعدل حيوية السوق من خلال نسبة القيمة السوقية التي تنتقل ملكيتها كل سنة.

أما الوسطاء في عمليات البورصة (IOB)، الذين تسيطر عليهم البنوك العمومية إلى حد كبير، فيعانون من ضعف واضح في النشاط والتقنيات المرتبطة بصناعة السوق (Market Making)، ما يحرم السوق من وجود أطراف قادرة على توفير السيولة اليومية وضمان وجود مشترين وبائعين بشكل مستمر. وهكذا، تنجح عمليات جمع الأموال عند الإدراج الأولي، لكن الأسهم سرعان ما تُحتجز داخل محافظ المكتتبين دون أن تعرف حركة تداول حقيقية. وبعد ثلاثين عاما من تأسيسها، ما تزال بورصة الجزائر أقرب إلى سوق الاكتتابات الظرفية منها إلى سوق مالية قادرة على تدوير رأس المال وتوجيهه نحو الاستثمار المنتج.

Partager cet article