وعلى الصعيد الإنساني، يظل الوضع قبالة معبر «التراخال» الحدودي بالغ الخطورة، إذ انتشلت عناصر الحرس المدني الإسباني غالبية الضحايا الذين قضوا غرقاً أثناء محاولتهم بلوغ سبتة سباحةً انطلاقاً من مدينة الفنيدق المغربية. وترفع هذه الوفيات الجديدة حصيلة الضحايا إلى ما لا يقل عن 92 مهاجراً لقوا مصرعهم منذ بداية العام خلال محاولات العبور، فيما لا تستبعد السلطات العثور على جثث أخرى مع استمرار عمليات البحث.
الواقع على الأرض بدّد أحلام العابرين
وعلى الجانب المغربي من الحدود، اكتظت شوارع مدينة الفنيدق بآلاف الشباب والعائلات المنهكة، الذين راحوا يجوبون الأزقة بحثاً عن الماء والغذاء أو وسائل نقل تعيدهم إلى مدنهم وقراهم، التي تبعد بعضها مئات الكيلومترات، مثل مدينة فاس. وكان هذا التدفق غير المسبوق قد اندلع إثر شائعات لا أساس لها من الصحة انتشرت كالنار في الهشيم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، زعمت أن المهاجرين سيحصلون على اللجوء، ومراكز إيواء، وحتى إمكانية السفر لاحقاً إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.
غير أن الواقع سرعان ما بدّد تلك الآمال. ففي ظل إغلاق المنافذ وحالة الشلل التي شهدتها المدينة ذات الحكم الذاتي، اضطر كثيرون إلى المبيت في العراء، والاعتماد على تضامن السكان المحليين أو على تحويلات مالية عاجلة لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم. وتضم هذه الجموع أعداداً كبيرة من الشباب العاطلين عن العمل، إلى جانب أمهات عازبات اصطحبن أطفالهن الرضع أملاً في الإفلات من الوصم الاجتماعي وبدء حياة جديدة.
وعقب موجة التدفق القياسية يوم الخميس، والتي تراوحت التقديرات بشأنها بين 50 ألفاً و60 ألف شخص، استعادت الأجهزة الأمنية المغربية السيطرة على الشريط الحدودي. وشهدت التلال المجاورة ليلاً مواجهات متفرقة، استخدمت خلالها الشرطة المغربية الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق التجمعات المتبقية. وفي سياق متصل، أفادت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بوقوع أحداث جسيمة قرب حدود الناظور مع مليلية، مشيرة إلى استخدام الرصاص الحي خلال مواجهات بين مهاجرين وقوات الأمن. ولمنع تكرار سيناريو الاقتحام، نشرت وزارة الداخلية الإسبانية منظومة أمنية استثنائية عند شاطئ «التراخال»، تتكون من حاجز عائم مطاطي بطول 500 متر، يرتفع بنحو 70 سنتيمتراً فوق سطح الماء ويغوص متراً واحداً تحته. كما تدعمه خطوط من العوامات الأمنية التابعة للبحرية الإسبانية، إلى جانب دوريات مكثفة للحرس المدني على مدار الساعة.
توترات دبلوماسية
وألقت هذه التطورات بظلالها على العلاقات داخل الاتحاد الأوروبي؛ إذ أعلنت الحكومة الإيطالية برئاسة جورجيا ميلوني تعليقاً مؤقتاً لتطبيق اتفاقية حرية التنقل مع إسبانيا، مع فرض عمليات تفتيش ورقابة عشوائية على المواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي القادمين عبر الأراضي الإسبانية. كما أعربت دول أخرى، من بينها فنلندا والدنمارك، عن قلقها إزاء تداعيات الأزمة على أمن فضاء شنغن.
وفي مواجهة هذه الضغوط، دافعت مدريد عن إجراءاتها الأمنية، إذ أكد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، من سبتة، أن المرحلة تتطلب وحدة الصف بين الشركاء الأوروبيين، فيما ندد وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس بما وصفه بـ«الخلط المتعمد»، مشدداً على أن غالبية المهاجرين عادوا بالفعل إلى المغرب، وأن الوصول إلى البر الإسباني يخضع لإجراءات مراقبة وتحقق صارمة. ومن جهتها، ذكّرت المفوضية الأوروبية بأن مدينتي سبتة ومليلية تخضعان لوضع قانوني خاص، ولا تُطبق فيهما قواعد اتفاقية شنغن بصورة كاملة، داعية إلى تجنب الاستنتاجات المتسرعة بشأن خلفيات هذه الأزمة.


