شواطئ الجزائر التي نتركها تتعفن: التكلفة الخفية للنفايات

تثير صور الشواطئ الجزائرية المليئة بالنفايات استياءً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها تطرح قبل كل شيء سؤالاً أكبر: من يدفع تكلفة اتساخ الشريط الساحلي؟ فبين النفقات العمومية، وتراجع الجاذبية السياحية، وغياب منظومة حقيقية لتثمين النفايات، تتجاوز المشكلة بكثير مسألة سلوك الأفراد وحدهم.

سعيد مراد
10 min de lecture
كومة من النفايات البلاستيكية عند سفح الصخور، على بعد أمتار قليلة من السباحين. (صورة: فيسبوك)
Ajoutez Maghreb Émergent sur Google pour trouver du contenu similaire

مع اقتراب موسم الاصطياف وخلاله في صيف 2026، أظهرت مقاطع تداولها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي شواطئ جزائرية مغطاة بالنفايات. وفي نهاية جويلية، أثار مقطع فيديو جرى تداوله على نطاق واسع، ظهر فيه أحد شواطئ وهران وقد غطته القارورات والعبوات والمخلفات، موجة من التعليقات والتفاعل.

كما أظهرت منشورات أخرى مشاهد مماثلة من مناطق مختلفة من الساحل الجزائري، بينها الجزائر العاصمة وبجاية. وتراوحت التعليقات بين التنديد بسلوك المصطافين، وانتقاد نقص حاويات القمامة، ومساءلة السلطات المحلية. ولا تشكل هذه التعليقات، في حد ذاتها، دليلاً على الوضع العام لجميع الشواطئ الجزائرية، لكنها تعكس انشغالاً يتكرر كل صيف بشأن حالة الفضاءات الساحلية.
الظاهرة ليست جديدة. إذ تتكثف عمليات تنظيف الشواطئ قبل الموسم وخلاله وبعده. لكن تكرار الصور نفسها يطرح سؤالاً حول نجاعة نموذج يعتمد أساساً على رفع النفايات بعد تراكمها، بدلاً من الوقاية منها وفرزها وتحميل كل طرف مسؤوليته.

تنظيف مكلف وحملات لا تعوض الخدمة الدائمة

في وهران، مكنت حملة نُظمت سنة 2025 من رفع نحو 11 طناً من الطحالب البحرية وما يقارب ثلاثة أطنان من النفايات الصلبة من أربعة شواطئ، كانت تتشكل أساساً من القارورات والعبوات البلاستيكية. كما تضمنت العملية توزيع مئات حاويات القمامة على البلديات الساحلية. وتعطي هذه الأرقام فكرة عن العبء الذي تتحمله الجماعات المحلية: عمال، شاحنات، وقود، معدات ووسائل معالجة، فضلاً عن التكاليف غير المباشرة المرتبطة باهتراء المعدات ونقل النفايات وطمرها أو التخلص منها.

ولا تُحسب التكلفة الفعلية لتنظيف شاطئ معين، في الغالب، بشكل دقيق. غير أن أي تقييم اقتصادي جدي يفترض احتساب عدد العمال المجندين، وتواتر عمليات التنظيف، وحجم النفايات المجمعة، ومسافات نقلها، وكلفة معالجتها، فضلاً عن التدخلات الاستثنائية بعد عطلات نهاية الأسبوع أو الأعياد.

وفي غياب هذه البيانات، يصعب تحديد الأثر المالي الدقيق لتلوث الشواطئ. لكن أمراً واحداً واضح: كل نفاية تُترك على الرمال تتحول إلى نفقة جماعية عندما تضطر خدمة عمومية إلى رفعها. وتنظم السلطات المحلية والجمعيات بانتظام حملات لتنظيف الشواطئ. ففي وهران، تواصلت عمليات التنظيف في جوان 2026 بمشاركة عدد من المؤسسات العمومية والمصالح المحلية. وفي تيقزيرت، شهد أوت حملة شاركت فيها المصالح المحلية والمؤسسات العمومية والبلديات والمواطنون.

هذه المبادرات مفيدة، لكنها لا يمكن أن تحل محل خدمة منتظمة ومخططة. فالشاطئ الذي يستقبل أعداداً كبيرة من المصطافين لا يمكن الحفاظ عليه من خلال الحملات التطوعية أو العمليات الرمزية وحدها، بل يحتاج إلى تنظيم يومي، وتجهيزات مناسبة، وجمع منتظم للنفايات، ومرافق صحية، ومراقبة وآلية فعالة للردع. والخطر هو أن يتحول العمل التطوعي إلى بديل دائم عن الخدمة العمومية.

غياب الحس المدني لا يفسر كل شيء

تكشف صور النفايات المتروكة بوضوح عن سلوكيات غير مسؤولة: قارورات على الرمال، أغلفة الوجبات، أعقاب السجائر، الأكياس البلاستيكية وبقايا الطعام. ومسؤولية مستخدمي الشواطئ في ذلك حقيقية. لكن اختزال المشكلة في «غياب الحس المدني» يسمح بتجنب أسئلة أخرى: كم عدد حاويات القمامة الموجودة في كل شاطئ؟ هل تستوعب حجم النفايات فعلاً؟ وهل تُفرغ بانتظام؟ هل يجري فرز النفايات؟ هل توجد مرافق صحية متاحة؟ وهل يخضع أصحاب الأنشطة التجارية لقواعد واضحة لجمع النفايات؟ وهل تُسجل المخالفات وتُطبق العقوبات؟

فسلوك الفرد يتأثر أيضاً بطريقة تنظيم الفضاء العام. الشاطئ الذي يفتقر إلى الحاويات والإشارات التوجيهية وخدمة جمع منتظمة يشجع، ولو بصورة غير مباشرة، على رمي النفايات. وفي المقابل، يمكن لوجود نقاط جمع واضحة، وعمال ميدانيين، ورسائل تحسيسية متكررة أن يغير السلوك. لذلك، لا يمكن أن تكون المسؤولية فردية فقط. إنها مسؤولية مشتركة بين المصطافين والتجار ومستغلي الأنشطة والبلديات ومصالح البيئة والجهات المكلفة بالرقابة.

البلاستيك… تلوث يتجاوز حدود الرمال

تحتل القارورات والأكياس والأكواب والعبوات البلاستيكية موقعاً بارزاً بين النفايات التي تظهر على الشواطئ. وفي وهران، أظهرت عمليات التنظيف حضوراً كبيراً للقارورات والعبوات البلاستيكية ضمن النفايات المجمعة. وتطرح النفايات البلاستيكية مشكلة خاصة، لأنها تتفتت تدريجياً ويمكن أن تبقى في البيئة البحرية لفترات طويلة. كما يمكن للنفايات المتروكة على الرمال أن تنتقل بفعل الرياح أو مياه الأمطار أو التيارات إلى البحر.

وبذلك لا تتوقف المشكلة عند حدود الشاطئ، بل تمتد إلى قاع البحر والكائنات البحرية وأنشطة الصيد، فضلاً عن صورة المناطق الساحلية. والمسألة اقتصادية أيضاً. فجمع قطعة بلاستيكية بعد رميها في الطبيعة أكثر كلفة من استرجاعها ضمن منظومة منظمة. كما أن غياب الفرز يحرم من تثمين جزء من المواد التي يمكن إعادة تدويرها.

النظافة بنية تحتية اقتصادية وليست مسألة بيئية فقط

تُعد النظافة أحد العناصر الأساسية لجاذبية الوجهات الساحلية. فالشاطئ المتسخ يفسد تجربة الزائر، وقد يؤثر في مدة إقامته ورغبته في العودة، كما يضر بالأنشطة الاقتصادية المحيطة به. المطاعم والمحلات وأماكن الإقامة ووسائل النقل ومقدمو خدمات الترفيه يعتمدون جميعاً على الصورة العامة للمنطقة الساحلية. ويمكن لفيديو يظهر شاطئاً مغطى بالنفايات أن يصل إلى آلاف الأشخاص خلال ساعات، وأن يؤثر في سمعة بلدية بأكملها، بما يتجاوز الموسم الصيفي.

وتزداد أهمية المسألة بالنسبة إلى المدن التي تسعى إلى تطوير السياحة المحلية وتنويع اقتصادها. فاستثمار الأموال في تهيئة شاطئ من دون ضمان صيانته ونظافته يعني تعريض الاستثمار الأولي نفسه للخطر. ومن هنا، ينبغي النظر إلى نظافة الشريط الساحلي باعتبارها بنية تحتية اقتصادية، مثلها مثل سهولة الوصول والأمن والمرافق الصحية ومواقف السيارات.

وتسمح حملات التنظيف بإزالة النفايات، لكن مسألة تثمينها تبقى أقل وضوحاً. ويمكن توجيه جزء من البلاستيك المجمع نحو الفرز وإعادة التدوير، شرط فصل النفايات من المصدر أو فرزها بعد جمعها. ويتطلب ذلك حاويات مخصصة، ونقاط جمع مناسبة، وشبكة نقل، ومؤسسات للفرز، وأسواقاً تستوعب المواد المسترجعة. ومن دون هذه السلسلة، تتحول عملية التنظيف ببساطة إلى نقل للنفايات من الرمال إلى شاحنة، ثم إلى مكب أو موقع آخر لمعالجتها أو التخلص منها.

الجمعيات… دور مهم لا يعوض السياسة العمومية

تلعب الجمعيات دوراً مهماً في التحسيس والتعبئة المدنية. ففي جوان 2026، نُظمت في سكيكدة عملية لتنظيف الشواطئ والغابات في إطار مبادرة للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، بالشراكة مع جمعية وطنية للعمل التطوعي. ويمكن لهذه المبادرات أن تساهم في تغيير السلوك وترسيخ ثقافة المسؤولية البيئية، كما تقدم صوراً إيجابية تناقض مشاهد الشواطئ المتدهورة التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي. لكنها لا ينبغي أن تحجب الحاجة إلى سياسة مستدامة. يمكن لحملة تطوعية يمكن أن تنظف شاطئاً خلال ساعات، لكنها لا تحل مشكلة الجمع اليومي للنفايات، ولا معالجتها، ولا مراقبة الأنشطة التجارية، ولا تنظيم استغلال الفضاءات الطبيعية. العمل التطوعي يجب أن يكمل العمل العمومي، لا أن يحل محله.

القياس قبل العقوبة

تحتاج مكافحة تلوث الشواطئ إلى مؤشرات بسيطة وعلنية. ويمكن لكل بلدية ساحلية أن تنشر خلال موسم الاصطياف عدد الشواطئ الخاضعة للرقابة، وعدد الحاويات الموضوعة، وتواتر عمليات الجمع، وحجم النفايات المرفوعة، والكميات التي جرى فرزها وتثمينها، وعدد العمال المجندين، وعدد المخالفات المسجلة، وتكلفة عمليات التنظيف، فضلاً عن تقييم حالة الشاطئ قبل الموسم وبعده.
ومن شأن هذه البيانات أن تسمح بمقارنة أداء البلديات، وتحديد المناطق الأكثر تعرضاً للضغط، وقياس مدى فعالية الإجراءات المتخذة. كما يجب أن ترافق التحسيسَ قواعدُ واضحة. ينبغي أن يعرف المصطاف أين يضع نفاياته، وما هي الممارسات الممنوعة، وما هي العقوبات التي يمكن تطبيقها. لكن العقوبة لا تكون فعالة إلا إذا كانت واضحة ومتناسبة ومطبقة فعلياً.

مسؤولية اقتصادية مشتركة

غالباً ما يُقدَّم تدهور حالة الشواطئ باعتباره مشكلة أخلاقية مرتبطة بضعف الحس المدني. لكنه في الواقع مشكلة تتعلق أيضاًبالحوكمة والتمويل والتنظيم. يتعين على الجماعات المحلية توفير خدمة تتناسب مع حجم الإقبال الفعلي على الشواطئ. كما ينبغي أن يشارك مستغلو الأنشطة التجارية وأصحاب المحلات والمطاعم في إدارة النفايات التي تنتجها أنشطتهم. ويجب أيضاً إشراك منتجي وموزعي مواد التغليف في تمويل جمع النفايات وإعادة تدويرها. أما المواطن، فعليه أن يتخلى عن النظر إلى الشريط الساحلي باعتباره فضاءً بلا صاحب، يمكن ترك ما لا يريد حمله فيه. لذلك، لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى مواجهة دائمة بين مواطنين «غير مسؤولين» وسلطات «مقصرة». المطلوب هو بناء سلسلة واضحة للمسؤولية، تبدأ من إنتاج العبوة ولا تنتهي إلا بجمعها وفرزها وتثمينها.

تعكس الشواطئ قدرة الجماعة المحلية على إدارة فضاء عمومي يخضع لضغط كبير خلال فترة قصيرة. فهي تكشف مستوى الخدمات المحلية، ومدى التنسيق بين المؤسسات، وفعالية التحسيس، وقدرة السلطات على فرض احترام القواعد. وتظهر عمليات التنظيف التي أُعلن عنها في عدد من الولايات أن هناك تعبئة وجهوداً قائمة بالفعل. لكن تكاثر الحملات لن يكون كافياً إذا لم يرافقه نظام دائم لجمع النفايات وفرزها ومراقبتها وقياس النتائج.

في النهاية، المسألة بسيطة: هل نريد الاستمرار في تنظيف الشواطئ نفسها بعد كل عطلة نهاية أسبوع، أم نريد بناء نموذج يمنع النفايات، ثم يجمعها ويفرزها ويثمنها؟ بالنسبة إلى الجزائر، التي تسعى إلى تعزيز جاذبيتها السياحية وتنويع اقتصادها، فإن الإجابة لا تتعلق بالبيئة وحدها. إنها ترتبط مباشرة بجودة الحياة، و بالمالية العمومية، وبكفاءة الخدمات المحلية، وبصورة البلاد كوجهة سياحية.

Partager cet article