المغرب: حقائق جديدة حول ترسانة “الإرهاب الرقمي” الممنهج ضد المعارضين

في المغرب، تُمارَس المراقبة والتكنولوجيا القمعية ضد المعارضين والمجتمع المدني بشكل عام بلا هوادة. هذا ما يكشف عنه تحقيق واسع النطاق نُشر اليوم من قبل صحيفة "لوموند" الفرنسية وائتلاف يضم 14 مؤسسة إعلامية دولية، تحت تنسيق تجمع "فوربيدن ستوريز". ومن خلال هذا العمل، نكتشف حجم المطاردة اللصيقة التي تعرض لها زميلنا الصحفي عمر راضي أو الناشط الحقوقي فؤاد عبد المومني.

6 min de lecture
عمر راضي الصحفي الاستقصائي من أوائل ضحايا برنامج بيغاسوس، كان هدفاً لمنظومة مضايقة شاملة.

يستند هذا التحقيق الجديد إلى شهادة استثنائية وحصرية قدمها ضابط سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (المخابرات الداخلية المغربية) يعيش حالياً في المنفى ويحمل اسماً مستعاراً هو “سفير”، حيث يفكك آليات قمع تكنولوجي واسع النطاق ضد المعارضين. وإذا كنا في السابق على علم بنظام “بيغاسوس”، فإن الترسانة المستخدمة اليوم تكشف عن شهية غير محدودة لدى الأجهزة المغربية للحصول على أدوات التجسس والمراقبة.

بيغاسوس وترسانة تكنولوجية متعددة الأوجه

لقد هزت الفضيحة المتعلقة ببرنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس” الرباط في عام 2021. ولا تقتصر اعترافات هذا المنشق على تأكيد استخدامه المكثف، لا سيما عبر تقنية الاختراق المتقدمة دون الحاجة لتفاعل الضحية والمعروفة باسم «هيفن» (Heaven). أو عبر اعتراض الشبكات، بل إنها تصف ترسانة أوسع بكثير وأقدم عهداً.


منذ عام 2009، أصبح المغرب زبوناً مهماً لبرنامج التجسس “RCS” التابع للشركة الإيطالية «هاكينغ تيم» (Hacking Team). وقد استخدمته الأجهزة المغربية على نطاق واسع لاختراق ما يصل إلى 2000 جهاز كمبيوتر وهاتف محمول. وخلال فترة حراك الريف (2016-2017)، ذهبت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني إلى حد ضخ هواتف في الأسواق، داخل محلات تجارية مستهدفة، تبدو جديدة تماماً في علبها لكنها مزودة مسبقاً ببرمجيات التجسس. كما لجأت المخابرات الداخلية المغربية إلى الاختراق المادي المباشر، مستخدمة مفاتيح “USB” لزرع برمجيات التجسس في أقل من ثلاثين دقيقة في أجهزة المعارضين أثناء عبورهم في المطارات، وذلك بتواطؤ مباشر من شرطة الحدود.

الجزائر: استهداف أزيد من 6000 رقم، هجوم سيبراني غير مسبوق

بالنسبة للجزائر، تعيد هذه الحقائق الموثقة حول أساليب المخابرات المغربية صياغة واحد من أضخم ملفات قضية بيغاسوس. فقد كشفت تحقيقات الائتلاف الصحفي أن المملكة المغربية حددت ما لا يقل عن 6000 رقم هاتفي جزائري كأهداف محتملة لعمليات القرصنة الإلكترونية.

وقد استهدف هذا التجسس ذو الطابع الصناعي بشكل مباشر عمق الدولة الجزائرية، لا سيما بين عامي 2017 و2019. وشملت هذه القوائم أعلى مستويات الهرم الأمني والعسكري، بما في ذلك كبار المسؤولين في الجيش وأجهزة المخابرات. كما طالت هذه الحرب السيبرانية الدبلوماسية الجزائرية من خلال اختراق هواتف وزراء خارجية متعاقبين مثل رمطان لعمامرة وصبري بوقادوم.

ولم تقتصر هذه العمليات على التراب الجزائري، بل تم تتبع واستهداف أرقام مواطنين جزائريين، ومعظمهم من الدبلوماسيين، في بلدان عديدة شملت جنوب إفريقيا، وأنغولا، وبلجيكا، وبوركينا فاسو، وكندا، وساحل العاج، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، وإسبانيا، وإثيوبيا، وفنلندا، وإندونيسيا، وإيران، وكينيا، وموريتانيا، والمغرب، وناميبيا، والنيجر، ونيجيريا، وأوغندا، وجمهورية التشيك، ورواندا، والسنغال، والسويد، وسويسرا، وسوريا، وتونس، وتركيا، وزيمبابوي. وأخيراً، لم تسلم الدائرة السياسية والمدنية من هذا الاستهداف، حيث جرى تعقب ومراقبة محيط الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة، بالإضافة إلى شخصيات من المعارضة والمجتمع المدني. وبناءً على ذلك، تم نشر واستخدام هذه التكنولوجيات كقوة اختراق حقيقية موجهة ضد السيادة الجزائرية.

معاناة المعارضين: حالتا عمر راضي وفؤاد عبد المومني

يؤكد التحقيق أن هذه المنظومة التكنولوجية المتطورة لم تكن موجهة لمكافحة الجريمة، بل سُخرت لتعقب ومحاصرة الأصوات المنتقدة لسياسات المملكة، ممتزجة بالأساليب التقليدية للمراقبة اللصيقة والابتزاز. ويعد الصحفي الاستقصائي عمر راضي، أحد الوجوه البارزة في المعارضة والذي اعتقل وصدر في حقه حكم جائر قبل أن يستفيد من عفو ملكي في جويلية 2024، هدفاً لمنظومة مضايقة شاملة. فبالإضافة إلى كونه من أوائل ضحايا برنامج بيغاسوس، تعرض راضي لزرع كاميرات دقيقة مخفية داخل مصابيح منزله، ووضع أجهزة تنصت وميكروفونات تحت طاولات المقاهي التي كان يرتادها، فضلاً عن وضع كافة أفراد عائلته تحت التنصت. وبالتوازي مع ذلك، أدارت المخابرات خلية متكاملة تضم عشرات العملاء كانت مهمتها الوحيدة إغراق منصات التواصل الاجتماعي بالتعليقات الهادفة لتدمير سمعة الصحفي وتشويهها.

أما الناشط الحقوقي فؤاد عبد المومني، فقد انتهكت عمليات التجسس أشد خصوصياته حميمية وسرية. ففي عام 2020، جرى تسريب ونشر مقاطع فيديو ذات طابع شخصي تجمعه بخطيبته بشكل سري. ويؤكد الضابط المنشق “سفير” اليوم أن تلك التسجيلات تم التقاطها عبر كاميرات مخفية زرعتها الأجهزة الأمنية بدقة داخل نظام تكييف الهواء في منزله، وتم سحبها فور الحصول على المشاهد المطلوبة.

بالتواطؤ العضوي مع “صحافة التشهير”

توضح المعطيات أن كل هذه البيانات والمعلومات التي تم تجميعها بشكل غير قانوني، وفي خرق تام للقوانين والتشريعات ودون أي تفويض قضائي، لم تكن غايتها فقط ملء الرفوف السرية للنظام. بل تكشف التحقيقات عن تنسيق واندماج وثيق بين المخابرات المغربية ووسائل إعلام محلية موجهة تُعرف بـ “صحافة التشهير”. ويلخص المنشق هذا المشهد مؤكداً أن عناصر المخابرات هم من يقومون بتصوير الفيديوهات والتقاط الصور ثم تمريرها مباشرة إلى قنوات ومواقع معينة مثل “شوف تيفي”، التي وصفها بأنها لا تعدو أن تكون مجرد امتداد تنفيذي للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.

ويبقى الهدف الأساسي من وراء هذا الإرهاب الرقمي والإعلامي المشترك هو عزل المعارضين اجتماعياً ومهنياً، وفرض مناخ عام من الشك والريبة يدفع حتى الأقارب والمحيطين بالضحايا إلى قطع صلاتهم بهم خوفاً من الملاحقة أو الانتقام الأمني. ورغم دقة الأدلة التقنية وشهادات العيان المتطابقة التي جمعها الائتلاف الصحفي الدولي، فقد فضلت السلطات المغربية اتباع سياسة الصمت رافضة الرد على أسئلة الصحفيين.










ÉTIQUETTES :
Partager cet article