بهذه الخطوة تكون العاصمتان قد طويتا صفحة قطيعة جوية ودبلوماسية دامت أكثر من عام، من دون أن تُعلن استعادة كاملة للتمثيل الدبلوماسي بينهما حتى الآن.
لكن عودة الهدوء بين الجزائر وباماكو تطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً، كيف ستتفاعل جبهة تحرير أزواد، الحليف الميداني التقليدي للجزائر في نظر السلطات المالية، مع هذا التقارب؟ فالجبهة التي تخوض منذ أسابيع معارك ضارية ضد الجيش المالي في شمال البلاد، تجد نفسها اليوم في موقع أكثر حساسية، و نحو تهدئة علاقات الجزائر مع باماكو، وصراع مسلح لم يضع أوزاره بعد.
خلفية الأزمة: إسقاط طائرة مسيّرة وقطيعة شاملة
تعود جذور القطيعة إلى نهاية مارس 2025، حين أعلن الجيش الجزائري إسقاط طائرة استطلاع مسيّرة مسلحة قرب منطقة تين زواتين الحدودية، بعد اختراقها المجال الجوي الجزائري بمسافة قدّرتها الجزائر لاحقاً بنحو 1.6 كيلومتر.
اعتبرت مالي الحادثة “عملاً عدائياً” وانتهاكاً لسيادتها، بينما أصرّت الجزائر على أن الطائرة كانت مسلحة وتنتهك أراضيها. على إثر ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية في 7 أبريل 2025 غلق مجالها الجوي أمام الملاحة المالية، فردّت باماكو بالمثل، وانضمت إليها النيجر وبوركينا فاسو، الشريكتان في “تحالف دول الساحل”، باستدعاء سفرائهنّ من الجزائر، فيما استدعت الجزائر سفيريها من مالي والنيجر وأجّلت إرسال سفيرها إلى بوركينا فاسو.
اتهامات باماكو المتكررة للجزائر بدعم “الانفصال والإرهاب”
لم تكن حادثة الطائرة المسيّرة سوى الشرارة الأخيرة في مسار طويل من التوتر. فقد اتهمت السلطات المالية الجزائر منذ 2023 بتقديم دعم سياسي لحركات الطوارق، بعد أن استضافت الجزائر في تلك السنة قيادات من الحركات الأزوادية.
وبلغت الاتهامات ذروتها في 26 سبتمبر 2025، حين اتهم رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا الجزائر، من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، بدعم “الإرهاب الدولي”، في أعقاب إسقاط الطائرة المسيّرة. كما تقدمت باماكو بشكوى إلى محكمة العدل الدولية ضد الجزائر بخصوص الحادثة نفسها.
من جهتها، تنفي الجزائر باستمرار هذه الاتهامات، وتؤكد عبر تصريحات وزير خارجيتها أحمد عطاف تمسّكها بوحدة التراب المالي ورفضها القاطع لكل أشكال الانفصال والإرهاب، معتبرة أن تعزيز اللحمة الوطنية داخل مالي هو السبيل الأنجع لمواجهة التطرف في المنطقة.
انسحاب مالي من “اتفاق الجزائر”: نهاية مسار السلام
مثّل 25 يناير 2024 نقطة تحول مفصلية، حين أعلن المجلس العسكري الحاكم في مالي إنهاء “اتفاق السلم والمصالحة” الموقّع في الجزائر سنة 2015، والذي كانت الجزائر قد رعته لتسوية النزاع مع الحركات المسلحة في شمال مالي.
وقد فتح هذا الانسحاب الباب أمام تصعيد عسكري متدرج، تُوّج بسيطرة الجيش المالي المدعوم من قوات روسية على مدينة كيدال أواخر 2023، قبل أن تعيد الحركات الأزوادية السيطرة عليها في أبريل 2026.
جبهة تحرير أزواد: من التأسيس إلى معركة أنفيف
تأسست جبهة تحرير أزواد رسمياً في 30 نوفمبر 2024، من اندماج أربعة تنظيمات أزوادية هي الحركة الوطنية لتحرير أزواد، والمجلس الأعلى لوحدة أزواد، والحركة العربية الأزوادية، وجماعة إمغاد للدفاع الذاتي، بعد حلّ “الإطار الاستراتيجي للدفاع عن شعب أزواد”.
تسعى الجبهة إلى حق تقرير مصير سكان الشمال المالي، مع الدفع نحو صيغة حكم ذاتي موسّع يشمل مناطق كيدال وغاو وتمبكتو وميناكا وتاودني. وفي اليوم التالي لإعلان تأسيسها، قُتل عدد من قادتها، من بينهم فهد أغ المحمود، في ضربة بطائرة مسيّرة مالية قرب تنزاواتين.
في 25 أبريل 2026، شنّت الجبهة، بالتزامن مع جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بالقاعدة، هجمات واسعة استهدفت مواقع في العاصمة باماكو ومدن الشمال، أسفرت عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا.
ونجحت الجبهة في تحقيق هدفها الميداني الأساسي باستعادة السيطرة على كيدال، بينما أخفقت جماعة القاعدة في السيطرة على مواقع استراتيجية في باماكو وكاتي. وقد شدّد الناطق باسم الجبهة على أن هذا التحالف “تكتيكي” فرضته ضغوط ميدانية، ولا يعكس أي تقارب عقائدي مع التنظيم الجهادي.
منذ مطلع جويلية 2026، تشهد بلدة أنفيف شمال مالي واحدة من أعنف المواجهات بين الجبهة والجيش المالي المدعوم بعناصر من “الفيلق الإفريقي” الروسي، مع دخول طائرات مسيّرة إيرانية طراز “شاهد” على خط المعارك لأول مرة، وإعلان الجبهة إسقاط عدة مروحيات عسكرية مالية.
كما دعت الجبهة موسكو إلى سحب قواتها من مالي، مؤكدة أنها لا تستهدف روسيا بذاتها لكنها ترفض استمرار وجود عسكري أجنبي دون قبول محلي.
وبحسب محللين أمنيين، فإن الجزائر تحرص على النأي بنفسها رسمياً عن الصراع، عبر التأكيد المتكرر على دعمها لوحدة التراب المالي، حتى وإن ظلت متهمة من باماكو بالتعاطف مع الجبهة التي تحظى تاريخياً بعلاقات معها باعتبارها جزءاً من مسار “اتفاق الجزائر” لعام 2015.
تقارب موازٍ بين باماكو والرباط
تزامن تصعيد الأزمة الجزائرية-المالية مع تقارب لافت بين مالي والمغرب. ففي 10 أبريل 2026، أعلن وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب تأييد بلاده لخطة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، وسحب اعتراف باماكو بالجمهورية الصحراوية، في خطوة وصفها نظيره المغربي بـ”التاريخية”.
كما انضمت مالي، إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو، إلى مبادرة مغربية تتيح لدول الساحل غير الساحلية الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر الموانئ المغربية. وجاء هذا التقارب، بحسب وكالات دولية، في سياق تدهور العلاقات بين باماكو والجزائر، الداعم التقليدي لجبهة البوليساريو.
الجزائر توسّع دائرة انفتاحها في الساحل
لا تقتصر ديناميكية التهدئة الجزائرية على مالي وحدها. فمع النيجر، شهدت العلاقات تحسناً تدريجياً بعد أزمة استمرت نحو عشرة أشهر إثر حادثة الطائرة المسيّرة ذاتها؛ إذ عاد سفير النيجر إلى الجزائر في فبراير 2026، تلاه قرار الرئيس عبد المجيد تبون بعودة السفير الجزائري إلى نيامي، ثم زيارة رسمية لرئيس النيجر عبد الرحمن تياني إلى الجزائر تُوّجت باتفاق على تنشيط التعاون الثنائي والدفع بمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بأوروبا عبر النيجر والجزائر.
وبالتوازي، عزّزت الجزائر شراكتها مع تشاد، حيث قام الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إتنو بزيارة رسمية إلى الجزائر بين 22 و24 أبريل 2026، تُوّجت بتوقيع 28 اتفاقاً ومذكرة تفاهم في مجالات المحروقات والبنى التحتية والتكوين، ضمن ما وُصف بـ”الشراكة الوظيفية” التي تربط الأمن بالتنمية في منطقة الساحل.
ساحل مُنهك و مُكلف للجزائر
يضع هذا المسار المتشابك جبهة تحرير أزواد أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، تحافظ الجزائر على علاقات تاريخية مع مكوّنات الجبهة باعتبارها طرفاً في اتفاق 2015، ومن جهة أخرى تتجه الدبلوماسية الجزائرية بوضوح نحو تهدئة شاملة مع باماكو ونيامي ونجامينا معاً، بما قد يحدّ من هامش المناورة السياسية المتاح أمام الحركة الأزوادية مستقبلاً.
وفي المقابل، تصرّ الجبهة على أن معركتها مع الجيش المالي، المستمرة حتى في بلدة أنفيف هذه الأيام، لا علاقة لها بمسار العلاقات الجزائرية-المالية، وأن هدفها يبقى تثبيت حكم ذاتي أو تقرير مصير لسكان الشمال، بصرف النظر عن اتجاهات التطبيع الإقليمي المتسارعة.


