من بشار إلى وهران فالعالمية : شبلون وموساوي مسارا بحث جزائريين بين المخابر والجامعات الدولية

7 min de lecture
الجزائريان عبد الرحمن موساوي على اليمين ويحي شبلون على اليسار.

رحلت من الجزائر أسماء كثيرة بعلمها إلى جامعات ومخابر في أوروبا والولايات المتحدة، وبقي بعضها على صلة بجامعات الوطن ومراكز بحثه. بين هذه الأسماء الباحث في علم الفيروسات البروفيسور يحيى شبلون، والأنثروبولوجي البروفيسور عبد الرحمن موساوي. يختلف مجالا اختصاصهما، لكن مسارهما يلتقي في محطة وهران، ثم في جامعات فرنسا.

يحيى شلبون: من دبداب ببشار إلى مخابر الفيروسات

وُلد البروفيسور يحيى شبلون في دبداب بولاية بشار وسط إحاطة الظروف الصعبة. درس العلوم البيولوجية بجامعة وهران بعد حصوله على البكالوريا، ثم نال الدكتوراه من جامعة ليون، حيث درّس أيضاً بصفة أستاذ محاضر. وبعد سنوات من التدريس اختار التفرغ للبحث، وتولى رئاسة مخبر بحث في المعهد الوطني الفرنسي للبحث الزراعي (INRA) بعد نجاحه في مسابقة الالتحاق به.

بدأ مساره البحثي بالأمراض الوراثية في بدايات البيولوجيا الجزيئية، وعمل نحو عشر سنوات على الكشف المبكر عنها قبل الولادة، ومنها أمراض الثلاسيميا وفقر الدم المنجلي التي كانت شائعة في الجزائر، قبل أن ينتقل إلى دراسة الفيروسات.

وبحسب ما صرّح به في حوار مع التلفزيون الرسمي ، طوّر سنة 1991 لقاحاً ضد فيروس مسبب للسرطان لدى الدواجن، يحمي الحيوانات بجرعة واحدة. غير أن براءة الاختراع آلت إلى الشركة الممولة وبقيت في الأدراج دون أن يُنتج اللقاح، وهي تجربة دفعته إلى البحث عن صيغة يسجّل بها نتائج أبحاثه باسمه.

ثم تفرغ لفيروس نقص المناعة البشرية (السيدا)، وأمضى خمس عشرة سنة في فهم آليات الإمراض لدى الفيروسات القريبة منه التي تصيب الماعز والماشية دون أن تسبب لها السيدا. وعمل في جامعة كانساس سيتي الأمريكية، ثم عاد إلى فرنسا فأسس مخبراً جديداً في غرونوبل. وعاد إلى الولايات المتحدة سنة 2004 لتسريع أبحاثه، قبل أن يعود إلى فرنسا من جديد. ويقول إنه طوّر لقاحاً ضد السيدا سنة 2008، واختبر سنة 2013 أول لقاح فرنسي ضده أثبت فعاليته عند الحيوانات الصغيرة، وسجّل براءة اختراع برعاية المعهد الوطني للبحث الزراعي وجامعة غرونوبل. وأضاف أن اللقاح حفّز استجابة مناعية جيدة وحمى القردة من العدوى في التجارب قبل السريرية.

لكن المرحلة الأخيرة، أي التجارب السريرية على الإنسان، تتطلب تمويلاً ضخماً وإرادة سياسية، وقال إن طلبات تمويله حظيت بتقييم إيجابي من علماء لكنها لم تتحول إلى ميزانيات. وعليه، فلا يزال مشروع اللقاح ضد السيدا، بحسب روايته، دون تجارب سريرية.

وفي مرحلة جائحة كوفيد-19، قال إن فريقه طوّر لقاحات بتمويل محدود دون أن يبلغ مرحلة التجارب السريرية. ثم عمل على علاج خلوي لا يقوم على الأجسام المضادة، بل على خلايا يمكن تخزينها وإعادة تنشيطها وتكثيرها. وأوضح أنه يستطيع إنتاج خلايا ضد مرض فيروسي في نحو خمسة عشر يوماً حتى إن لم تُعرف طبيعة الفيروس، وأن التجارب الأولية على الحيوانات، ضد الإنفلونزا لدى الفئران وضد كوفيد، أظهرت حماية بنسبة 100 بالمئة. وسجّل لهذه الاستراتيجية براءة اختراع دولية مع المعهد الوطني للبحث الزراعي وجامعة غرونوبل.

وعن علاقته بالجزائر، أشار إلى أنه اشتغل نحو عشر سنوات مع معهد باستور الجزائر لإنشاء مراكز للمناعة وإنتاج اللقاحات، وإلى أنه عضو في مجلس إدارة مركز البحث في البيوتكنولوجيا وفي المجلس العلمي لمركز البحث حول البيئة. ودعا إلى إنشاء مراكز بحث أساسي وتطبيقي في الفيروسات، وإلى أن تنتج الجزائر لقاحاتها بنفسها بعدما كانت تنتج لقاحات بيطرية وبشرية.

عبد الرحمن موساوي: من وهران إلى بروفانس وليون

أما البروفيسور عبد الرحمن موساوي فهو أنثروبولوجي متخصص في أنثروبولوجيا المقدس وأنثروبولوجيا المجال. درّس بجامعة وهران قبل أن يلتحق سنة 2000 بقسم الأنثروبولوجيا بجامعة بروفانس الذي ترأسه من 2005 إلى 2007. وتفصّل سيرته المنشورة في مخبر الأنثروبولوجيا بجامعة ليون 2 مساره الوهراني، أستاذ محاضر بمعهد الهندسة المعمارية بجامعة وهران للعلوم والتكنولوجيا بين 1985 و2001، وأستاذ أنثروبولوجيا المجال في ما بعد التدرج بين 1998 و2000.

وفي وهران شارك في ندوات دولية نظّمها مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، منها ندوة 1990 حول أنثروبولوجيا الموت في المغرب العربي، وندوة 1992 حول المظاهر الاحتفالية والتعبيرات عن المقدس.

نال موساوي شهادة التأهيل الجامعي لتوجيه الأبحاث سنة 2006 من جامعة بروفانس، وهي دراسة بعنوان “المجال والمجتمع: بين المقدس والعنف”. ومنذ 2012 يشغل منصب أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة ليون 2 ويعمل بمخبر أنثروبولوجيا الرهانات المعاصرة (LADEC). وهو اليوم أستاذ فخري بالجامعة ذاتها.

تدور أبحاثه حول أنثروبولوجيا المقدس (الإسلام المغاربي، الطرق الصوفية، الولاية، الطقوس الجنائزية والاحتفالية، الحج)، وأنثروبولوجيا المجال (المدن، العنف الحضري)، والعنف والخروج منه، والفضاءات الصحراوية ومنها الماء في الصحراء.

ومن أبرز أعماله كتاب “المجال والمقدس في الصحراء: قصور وواحات الجنوب الغربي الجزائري” الصادر عن منشورات CNRS سنة 2002، وكتاب “عن العنف في الجزائر: قوانين الفوضى” الصادر عن دار آكت سود في السنة ذاتها. كما أصدر سنة 2019 كتاب “الواحات على مجرى الماء، من الفقارة إلى المحور المحوري”، وشارك في تحرير كتاب “الكنيسة والمسيحيون في الجزائر المستقلة” عن دار كارتالا. وصدر له سنة 2023 كتاب “الجزائر، مسيرة طويلة: الحراك، ذاكرة وتاريخ”.

وتجمعه بولاية بشار صلة بحثية وثيقة، فقد خصّص جانباً من أعماله لقصر القنادسة وزاويته. وفي سبتمبر 2016 قدّم في بشار مداخلة بعنوان “ألحان الصحراء على إيقاع القوافل” ضمن الطبعة العاشرة للمهرجان الثقافي الوطني للديوان، وتحدث عن الصحراء بوصفها فضاء التقاء بين الثقافات، إضافة إلى عديد المحاضرات هناك وفي وهران وغيرها من المدن الجزائرية.

مسارا بحث يلتقيان في وهران

يعكس المساران قصة جيل جزائري تكوّن في جامعات الوطن، ثم صقل خبرته في الخارج، دون أن تنقطع صلته بالبلد. وقد شدّد شلبون على أهمية دور الجالية الوطنية في الخارج في نقل الخبرة، وتصدّى موساوي في أبحاثه لقضايا جزائرية من العنف إلى الحراك والمقدس والواحات. وبين مخبر فيروسات في غرونوبل وجامعة أنثروبولوجيا في ليون، يتبين أن البحث العلمي الجزائري، وإن اشتغل خارج الحدود، ما زال يحمل أسئلة الوطن.

ÉTIQUETTES :
Partager cet article