الإكستازي: هل تتحول الجزائر إلى سوق مربحة للشبكات الإجرامية الأوروبية؟

يكشف تفكيك منظمة إجرامية تنشط بين الجزائر وإسبانيا، إلى جانب أكبر عملية حجز للإكستازي شهدتها الجزائر سنة 2025، عن تطور في النماذج الاقتصادية للجريمة المنظمة. فبعيدًا عن تهريب المهاجرين، بدأت التحقيقات تكشف عن مسارات تتزايد فيها أهمية المخدرات الاصطناعية.

5 min de lecture
كشفت صحيفة «إل باييس» الإسبانية، استنادًا إلى مصادر مطلعة على التحقيق بأن مادة الإكستازي تباع في السوق الجزائرية بأسعار أعلى بكثير من عدد من الأسواق الأوروبية

لطالما ارتبطت طرق الهجرة غير النظامية بين الجزائر وإسبانيا بتهريب المهاجرين فقط. غير أن التحقيقات الأمنية الأخيرة، إلى جانب سلسلة من عمليات حجز المخدرات الاصطناعية، تدعو إلى قراءة أوسع لهذه المسارات البحرية، التي يبدو أنها تتحول تدريجيًا إلى ممرات لوجستية تستخدمها شبكات الجريمة المنظمة لنقل بضائع غير مشروعة ذات قيمة مالية مرتفعة.

ويُعد تفكيك منظمة إجرامية عابرة للحدود في إطار عملية «العقرب» (Scorpion)، التي قادتها الشرطة الوطنية الإسبانية بتنسيق مع يوروبول ويوروجست، أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. فقد أظهرت التحقيقات أن المنظمة كانت تستخدم الزوارق السريعة نفسها لنقل شحنات من مادة MDMA، المعروفة باسم الإكستازي، إلى السواحل الجزائرية، قبل أن تعود محملة بمهاجرين غير نظاميين نحو السواحل الإسبانية، في نموذج يقوم على تعظيم الأرباح من كل رحلة بحرية.

لماذا الإكستازي؟

لعل أبرز ما كشفته صحيفة «إل باييس» الإسبانية، استنادًا إلى مصادر مطلعة على التحقيق، أن الشحنات التي كانت تُنقل إلى الجزائر كانت تتكون أساسًا من أقراص إم دي إم إي ( MDMA) . وتفيد المصادر نفسها بأن هذه المادة تباع في السوق الجزائرية بأسعار أعلى بكثير من عدد من الأسواق الأوروبية، ما يجعل تهريبها نشاطًا عالي الربحية بالنسبة للشبكات الإجرامية.

وتكتسي هذه المعلومة أهمية خاصة، لأنها توحي بأن هذه الشبكات لم تعد تختار مساراتها اعتمادًا على سهولة العبور فقط، بل أيضًا وفقًا للربحية التي توفرها الأسواق المستهدفة. وبعبارة أخرى، أصبحت هذه التنظيمات تتصرف بمنطق اقتصادي لا يختلف كثيرًا عن منطق الشركات، من خلال البحث عن الأسواق الأعلى هامشًا والأكثر مردودية.

أوروبا… مركز للإنتاج والتصدير

ويتقاطع ذلك مع ما أورده التقرير الأوروبي للمخدرات لسنة 2025 الصادر عن وكالة الاتحاد الأوروبي للمخدرات (EUDA). يؤكد التقرير أن أوروبا لا تزال أحد أهم مراكز إنتاج مادة إم دي إم إي( MDMA) في العالم. ففي سنة 2023، جرى تفكيك 48 مختبرًا سريًا لإنتاج هذه المادة داخل الاتحاد الأوروبي، مقابل 36 ختبرًا في السنة السابقة.

كما يشير التقرير إلى أن الإنتاج الأوروبي لم يعد يوجه فقط إلى الأسواق الداخلية، بل أصبح يغذي بصورة متزايدة أسواقًا خارج الاتحاد الأوروبي، ما يعكس تحول أوروبا إلى مصدر عالمي رئيسي للمخدرات الاصطناعية. وفي هذا السياق، تبدو عملية البحث عن أسواق جديدة وأكثر ربحية جزءًا من الاستراتيجية الاقتصادية لهذه الشبكات.

هل أصبحت الجزائر سوقًا واعدة؟

هنا تبرز مجموعة من المؤشرات التي تستحق التوقف عندها. ففي أبريل 2025، أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني عن حجز 1.65 مليون قرص من الإكستازي كانت مخبأة داخل شاحنة وصلت عبر العبّارة من مدينة مرسيليا الفرنسية، في أكبر عملية حجز من نوعها في تاريخ الجزائر.

وبطبيعة الحال، لا تكفي هذه القضية وحدها للقول إن الجزائر أصبحت سوقًا رئيسية لمخدر الإكستازي. غير أن وضعها في سياقها الأوسع يمنحها دلالة مختلفة. فمنذ سنوات، كانت تقارير ودراسات متخصصة تشير إلى ارتفاع عمليات حجز الإكستازي في الجزائر وتونس. واليوم، تبدو معطيات التحقيق الإسباني، إلى جانب تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للمخدرات، منسجمة مع فرضية مفادها أن بعض الشبكات الأوروبية أصبحت تنظر إلى الجزائر باعتبارها سوقًا واعدة لهذا النوع من المخدرات.

عندما تتحول طرق الهجرة إلى ممرات للجريمة المنظمة

ولا يقتصر الدرس الذي تكشفه هذه القضية على تجارة الإكستازي وحدها. فمنذ سنوات، تؤكد يوروبول أن شبكات الجريمة المنظمة أصبحت تعمل وفق منطق الشركات الحديثة، من خلال توزيع الأدوار، وتقاسم الوسائل اللوجستية، وتنويع الأنشطة، والبحث الدائم عن أعلى مستويات الربحية.

وتقدم العملية «العقرب» مثالًا واضحًا على هذا النموذج. فالزوارق نفسها، والأطقم نفسها، والبنية اللوجستية نفسها، كانت تُستخدم لنقل المخدرات نحو الجزائر ثم لنقل المهاجرين غير النظاميين إلى إسبانيا. وكان الهدف واحدًا: عدم القيام بأي رحلة من دون مردود مالي. وبذلك، بدأت الحدود الفاصلة بين تهريب المخدرات وتهريب البشر تتلاشى تدريجيًا لصالح منظومة إجرامية متكاملة تدير مختلف الأنشطة غير المشروعة عبر الشبكات اللوجستية نفسها.

مؤشرات تستدعي المتابعة

لا تسمح المعطيات المتوفرة اليوم بالقول إن جميع طرق الهجرة بين الجزائر وإسبانيا أصبحت مرتبطة بتهريب المخدرات الاصطناعية. كما لا تسمح بالجزم بأن الجزائر أصبحت إحدى أهم أسواق MDMA الأوروبية. لكنها تقدم مجموعة من المؤشرات المتقاطعة. كقال «إل باييس»، وتقرير EUDA، وتحليلات يوروبول، وعملية الحجز القياسية التي أعلنت عنها المديرية العامة للأمن الوطني، إضافة إلى نتائج عملية «العقرب»، ترسم مجتمعة صورة توحي بأن بعض الشبكات الإجرامية بدأت تعتبر السوق الجزائرية فرصة اقتصادية واعدة.

وإذا تأكد هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة، فقد تصبح طرق الهجرة في غرب البحر الأبيض المتوسط ممرات لوجستية متكاملة، تنتقل عبرها في الاتجاهين المجموعات البشرية والبضائع غير المشروعة، وفق منطق اقتصادي يقوم على تعظيم الأرباح واستغلال البنية اللوجستية إلى أقصى حد.

ÉTIQUETTES :
Partager cet article