التنمية في الجزائر: استراتيجيتا بوتفليقة وتبون أمام اختبار الانسجام

هناك كلمة واحدة تكاد تهيمن، منذ أكثر من عام، على النقاش الاقتصادي في الجزائر: الحمائية (Protectionnisme). فمنذ إطلاق برنامج الاستيراد التوقعي (PPI)، أصبحت يوميات الفاعلين الاقتصاديين تدور إلى حدّ كبير حول ندرة بعض المواد، وتعطّل الإجراءات البنكية، وطوابير المتعاملين الباحثين عن توطين مصرفي لعملياتهم.

6 min de lecture

وحين يُطرح النقاش، فإنه غالباً ما ينقسم بين من يرون في هذه السياسة استعادةً للسيادة الاقتصادية، ومن يعتبرونها تجسيداً لبيروقراطية خانقة. وبين هذين الموقفين، تقترح هذه المقالة معياراً مختلفاً للحكم: معيار الانسجام. فالتاريخ الاقتصادي حافل بتجارب دول بنت صناعاتها خلف حواجز جمركية وغير جمركية، من البرازيل في خمسينيات القرن الماضي، إلى كوريا الجنوبية وتايوان في العقود اللاحقة، وصولاً إلى فيتنام في السنوات الأخيرة.

غير أن أياً من هذه التجارب لم ينجح بفضل الانغلاق وحده، بل لأن الحماية كانت جزءاً من استراتيجية متماسكة ومتدرجة. وهذا الانسجام، أكثر من التوجه الإيديولوجي، هو ما يميز مسار اللحاق الاقتصادي عن مسار الركود.

ماذا تقول نظرية التنمية عن الانسجام؟

لقد تجاوزت نظريات التنمية منذ زمن الجدل الثنائي بين اقتصاد السوق والدولة المتدخلة. فقد شدد ألبرت هيرشمان على أهمية ترابط السياسات الاقتصادية وتكاملها أكثر من نقائها العقائدي. أما داني رودريك فقد أظهر أن النجاحات الآسيوية قامت على مزيج من الانفتاح التجاري الانتقائي والحماية الموجهة، وأن العنصر الحاسم كان تشخيص القيود الفعلية التي تواجه الاقتصاد في كل مرحلة، لا تطبيق وصفة جاهزة مستوردة من الخارج.

ومن جهتها، رصدت أليس أمسدن، في دراستها للتجربة الكورية الجنوبية، العنصر الذي يحول الحماية إلى محرك للتصنيع: المعاملة بالمثل المشروطة. فالدولة توفر الحماية، لكنها تطالب في المقابل بنتائج قابلة للقياس، مثل التصدير وتحسين الإنتاجية، مع فرض عقوبات عند الفشل. ومن دون هذه القاعدة، لا تنتج الحماية صناعة ناشئة، بل تخلق ريعاً تستفيد منه الجهات التي تسيطر أصلاً على السوق المحلية.

2009: نقطة التحول في عهد بوتفليقة

لقد عاشت الجزائر بالفعل تجربة من عدم الانسجام، ولكن بصيغة معاكسة. فبين عامي 1999 و2008، كانت استراتيجية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تتمتع بقدر من المنطق الاقتصادي: اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وانفتاح على الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاعات الاتصالات والبنوك والتأمينات، وحتى في بعض امتيازات الخدمات العمومية، وكل ذلك في ظل تكاليف إنتاج كانت من بين الأدنى في المنطقة.

ما يجري اليوم، بقيادة وزير التجارة الخارجية كمال رزيق، يمثل نسخة مختلفة من المشكلة نفسها: مشكلة غياب الانسجام.

كانت المعادلة بسيطة: تكاليف منخفضة + انفتاح انتقائي = جاذبية استثمارية. وهي معادلة تشبه تلك التي سمحت لفيتنام، وقبلها للصين، بتسريع عملية اللحاق الاقتصادي. غير أن الأزمة المالية العالمية وانهيار أسعار النفط في 2008 و2009 غيّرا الأجواء. ثم جاء دخول مجموعة لافارج إلى الجزائر عبر استحواذها في القاهرة على أنشطة البناء التابعة لأوراسكوم، ليُستَخدم ذريعةً لتشديد القيود بشكل كان سياسياً أكثر منه اقتصادياً.

فظهرت قاعدة 51/49، وحق الشفعة لصالح الدولة، وتشديد الرقابة على الواردات عبر نظام الاعتماد المستندي. وبذلك بقيت الجزائر بلداً منخفض التكلفة، لكنها تخلّت عن الأداة الأساسية التي كان يفترض أن تحول هذه الميزة إلى نهضة صناعية، أي الاستثمار الأجنبي المباشر.

التناقض الحالي: حماية من دون إقلاع صناعي

ما يجري اليوم، بقيادة وزير التجارة الخارجية كمال رزيق، يمثل نسخة مختلفة من المشكلة نفسها: مشكلة غياب الانسجام. منطق برنامج الاستيراد التوقعي كان يحمل في طياته فرصة واضحة؛ إذ إن تقليص المنافسة الأجنبية كان من المفترض أن يفتح المجال أمام الاستثمار الخاص المنتج لتعويض الواردات. غير أن ضعف الجهاز الإحصائي الوطني لا يسمح بالتأكد مما إذا كان هذا الاستثمار قد استغل فعلاً هذه الفرصة على نطاق واسع.

والانطباع السائد هو أن ذلك لم يحدث بعد. فمعدل تجسيد المشاريع الاستثمارية لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار لم يشهد قفزة نوعية، والصادرات خارج المحروقات ما تزال تراوح مكانها، كما يبقى الاستثمار الخاص المنتج ضعيفاً من الناحية الهيكلية، في وقت لم تستعد فيه الصناعة التحويلية وزناً أكبر داخل الناتج المحلي الإجمالي. في التجارب الناجحة، كانت الحمائية تؤدي إلى ظهور رأسمالية صناعية وطنية قادرة على الاندماج تدريجياً في سلاسل القيمة العالمية.

وربما يكون من المبكر إصدار حكم نهائي على التجربة الجزائرية الحالية. ومع ذلك، فإن النقص المتكرر في قطع الغيار والإطارات والمدخلات الصناعية لا يمكن اعتباره مجرد خلل في التنفيذ، بل هو عرض من أعراض سياسة حماية لا ترتبط بأي التزامات واضحة من حيث الأداء والنتائج.

ولعل السبب الأعمق لهذا الوضع لا يقتصر على البيروقراطية، بل يرتبط أيضاً بحذر مزمن تجاه بروز طبقة رجال أعمال خاصة تمتلك من القوة الاقتصادية ما يسمح لها بالتأثير في موازين القرار. وهو ميل قديم تعزز أكثر بعد تجربة الحراك الشعبي، التي دفعت عملياً إلى إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها العمومية باعتبارها الفاعل الإقتصادي الرئيسي.

الريع يؤجل المشكلة ولا يحلها

ما يسمح لهذين الشكلين المتعاقبين من عدم الانسجام بالاستمرار من دون أزمة كبرى هو الريع النفطي والغازي. ففي اقتصاد لا يملك موارد هيدروكربونية، كانت التناقضات الاستراتيجية ستنعكس سريعاً في أزمة ميزان مدفوعات تكشف كلفة السياسات المتعارضة. أما في الجزائر، فإن الريع يؤدي دور الوسادة الواقية؛ فهو يمول الدولة بغض النظر عن أداء بقية الاقتصاد، ويؤجل دفع الفاتورة بدلاً من إلغائها.

غير أن الدرس الثابت الذي تقدمه نظريات التنمية هو أن هذا التأجيل ليس مجانياً. فحين تتراجع قدرة الريع على امتصاص الصدمات ـ وقد حدث ذلك بالفعل في بداية تسعينيات القرن الماضي ـ فإن حصيلة عقود من التناقضات غير المعالجة تظهر دفعة واحدة. وعندها قد تدخل التنمية مرة أخرى في مرحلة توقف قسري، وهي مرحلة لا تحتاجها الجزائر في ظرفها الحالي.

Partager cet article